درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۸۷: اوامر ۱۱۳

 

قلت : ما هو ملاك استحالة طلب الضدّين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك(١) ، فإنّه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهمّ اجتماع طلبهما إلّا أنّه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما ، بداهة فعليّة الأمر بالأهمّ في هذه المرتبة ، وعدم سقوطه بعد بمجرّد المعصية فيما بعد ما لم يعص ، أو العزم (٢) عليها ، مع فعليّة الأمر بغيره أيضا ، لتحقّق ما هو شرط فعليّته (٣) فرضا.

لا يقال : نعم ، لكنّه بسوء اختيار المكلّف حيث يعصي فيما بعد بالاختيار ، فلولاه لما كان متوجّها إليه إلّا الطلب بالأهمّ ، ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.

فإنّه يقال : استحالة طلب الضدّين ليس إلّا لأجل استحالة طلب المحال ،

__________________

ـ فتوجّه إليه أمر «أزل النجاسة» ـ بناء على أن تكون الإزالة أهمّ والصلاة مهمّا ـ ، وهذا الأمر مطلق. فلو ترك الإزالة وعصى الأمر به توجّه إليه الأمر بالمهمّ ـ أعني : «صلّ» ـ. فيكون عصيان الأمر بالأهمّ موضوعا للأمر بالمهمّ ، كأنّ المولى قال : «أزل النجاسة وإن عصيت أو بنيت على العصيان فصلّ». وعليه فالأمر بالضدّ المهمّ مترتّب على عصيان الأمر بالأهمّ وفي طوله بنحو الشرط المتأخّر ، أو مترتّب على البناء على المعصية بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن ، مع بقاء الأمر بالأهمّ بعد عصيانه ، فإنّ الأمر لا يسقط بالعصيان. فالأمر بالضدّ المهمّ والأمر بالأهمّ وإن يجتمعان في زمان واحد ولكن أحدهما مطلق ـ وهو الأمر بالأهمّ ـ والآخر مشروط بشرط حاصل ـ وهو الأمر بالمهمّ الّذي مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ أو البناء عليه ، والمفروض أنّه حاصل ـ ، فيختلفان رتبة لتأخّر الأمر بالمهمّ عن الأمر بالأهمّ ، فلا يلزم من طلبهما بهذا النحو محذور طلب الضدّين في عرض واحد ، بل هو واقع كثيرا في العرف.

(١) والأولى أن يقول : «ما هو الملاك في عدم المعقوليّة من استحالة طلب الضدّين ...» أو يقول : «ما هو ملاك الاستحالة من طلب الضدّين ...». ومراده أنّ ملاك عدم إمكان تعلّق الأمر بالضدّ ليس إلّا طلب الضدّين في عرض واحد ، لأنّه محال ، وهو يأتي في طلب الضدّين بنحو الترتّب أيضا. وذلك لأنّ الأمر بالأهمّ وإن لم يجتمع مع الأمر بالمهمّ في صورة اطاعة أمره ـ حيث لم يحقّق موضوع الأمر بالمهمّ ـ ، إلّا أنّه يجتمع مع الأمر بالمهمّ في صورة ترك الأهمّ ، ضرورة أنّ الأمر بالمهمّ وإن كان مشروطا ، لكن المفروض أنّ شرطه حاصل ، فيكون فعليّا ، والأمر بالأهمّ مطلق ولا يختصّ بصورة الإطاعة ، فهو أيضا فعليّ ، فإذن يجتمع الأمران الفعليّان المتعلّقان بالضدّين في آن واحد ، وهو محال.

(٢) عطف على المعصية.

(٣) وهو عصيان الأمر بالأهمّ أو العزم عليه.

واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليّته لا تختصّ بحال دون حال ، وإلّا لصحّ فيما علّق على أمر اختياريّ في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتّب ، مع أنّه محال بلا ريب ولا إشكال.

إن قلت : فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك (١) ، فإنّ الطلب في كلّ منهما في الأوّل يطارد الآخر ، بخلافه في الثاني ، فإنّ الطلب بغير الأهمّ لا يطارد طلب الأهمّ ، فإنّه يكون على تقدير عدم الإتيان بالأهمّ ، فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه وعدم عصيان أمره.

قلت : ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهمّ؟ وهل يكون طرده له إلّا من جهة فعليّته ومضادّة متعلّقه للأهمّ؟ والمفروض فعليّته ومضادّة متعلّقه له. وعدم إرادة غير الأهمّ على تقدير الإتيان به (٢) لا يوجب عدم طرده لطلبه مع تحقّقه على تقدير عدم الإتيان به وعصيان أمره ، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادّة بين المتعلّقين. مع أنّه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهمّ ، فإنّه ـ على هذا الحال ـ يكون طاردا لطلب الضدّ ، كما كان في غير هذا الحال ، فلا يكون له معه أصلا بمجال(٣).

إن قلت : فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدّين في العرفيّات؟

قلت : لا يخلو إمّا أن يكون الأمر بغير الأهمّ بعد التجاوز عن الأمر به وطلبه حقيقة(٤) ، وإمّا أن يكون الأمر به (٥) إرشادا إلى محبوبيّته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض لو لا المزاحمة ، وأنّ الإتيان به يوجب استحقاق المثوبة ، فيذهب بها (٦) بعض ما استحقّه من العقوبة على مخالفة الأمر بالأهمّ ، لا أنّه أمر مولويّ فعليّ كالأمر به (٧) ، فافهم وتأمّل جيّدا.

__________________

(١) أي : بنحو الترتّب والطوليّة.

(٢) أي : بالأهمّ.

(٣) أي : فلا يكون لطلب المهمّ مع طلب الأهمّ مجال.

(٤) أي : بعد الإعراض ورفع اليد عن الأمر بالأهمّ حقيقة. وحينئذ فلو لم يأت بالأهمّ لا أمر إلّا بالمهمّ ، فليس هنا أمران بالضدّين كي يصحّح اجتماعهما بالترتّب.

(٥) أي : الأمر بغير الأهمّ.

(٦) أي : المثوبة.

(٧) أي : كالأمر بالأهمّ الّذي كان مولويّا.