درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۸۸: اوامر ۱۱۴

 

واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليّته لا تختصّ بحال دون حال ، وإلّا لصحّ فيما علّق على أمر اختياريّ في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتّب ، مع أنّه محال بلا ريب ولا إشكال.

إن قلت : فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك (١) ، فإنّ الطلب في كلّ منهما في الأوّل يطارد الآخر ، بخلافه في الثاني ، فإنّ الطلب بغير الأهمّ لا يطارد طلب الأهمّ ، فإنّه يكون على تقدير عدم الإتيان بالأهمّ ، فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه وعدم عصيان أمره.

قلت : ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهمّ؟ وهل يكون طرده له إلّا من جهة فعليّته ومضادّة متعلّقه للأهمّ؟ والمفروض فعليّته ومضادّة متعلّقه له. وعدم إرادة غير الأهمّ على تقدير الإتيان به (٢) لا يوجب عدم طرده لطلبه مع تحقّقه على تقدير عدم الإتيان به وعصيان أمره ، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادّة بين المتعلّقين. مع أنّه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهمّ ، فإنّه ـ على هذا الحال ـ يكون طاردا لطلب الضدّ ، كما كان في غير هذا الحال ، فلا يكون له معه أصلا بمجال(٣).

إن قلت : فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدّين في العرفيّات؟

قلت : لا يخلو إمّا أن يكون الأمر بغير الأهمّ بعد التجاوز عن الأمر به وطلبه حقيقة(٤) ، وإمّا أن يكون الأمر به (٥) إرشادا إلى محبوبيّته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض لو لا المزاحمة ، وأنّ الإتيان به يوجب استحقاق المثوبة ، فيذهب بها (٦) بعض ما استحقّه من العقوبة على مخالفة الأمر بالأهمّ ، لا أنّه أمر مولويّ فعليّ كالأمر به (٧) ، فافهم وتأمّل جيّدا.

__________________

(١) أي : بنحو الترتّب والطوليّة.

(٢) أي : بالأهمّ.

(٣) أي : فلا يكون لطلب المهمّ مع طلب الأهمّ مجال.

(٤) أي : بعد الإعراض ورفع اليد عن الأمر بالأهمّ حقيقة. وحينئذ فلو لم يأت بالأهمّ لا أمر إلّا بالمهمّ ، فليس هنا أمران بالضدّين كي يصحّح اجتماعهما بالترتّب.

(٥) أي : الأمر بغير الأهمّ.

(٦) أي : المثوبة.

(٧) أي : كالأمر بالأهمّ الّذي كان مولويّا.

ثمّ إنّه لا أظنّ أن يلتزم القائل بالترتّب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين ، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد. ولذا كان سيّدنا الأستاذ قدس‌سره (١) لا يلتزم به على ما هو ببالي ، وكنّا نورد به على الترتّب ، وكان بصدد تصحيحه(٢).

فقد ظهر أنّه لا وجه لصحّة العبادة مع مضادّتها لما هو أهمّ منها إلّا ملاك الأمر (٣).

نعم ، فيما إذا كانت موسّعة وكانت مزاحمة بالأهمّ ببعض الوقت ، لا في تمامه ، يمكن أن يقال : إنّه حيث كان الأمر بها (٤) على حاله ـ وإن صارت مضيّقة بخروج ما زاحمه الأهمّ من أفرادها من تحتها ـ أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذاك

__________________

(١) وهو المحقّق الميرزا الكبير الشيرازيّ.

(٢) فيتحصّل أنّ المصنّف ذهب إلى بطلان الترتّب تبعا لاستاذه الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٥٦ ـ ٥٧.

وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى إمكان تصوير الأمر بالضدّ المهمّ بنحو الترتّب ، وبالغ في تنقيحه وتوضيحه بتقديم مقدّمات خمسة لا مجال لذكرها في المقام.

والمحقّق الاصفهانيّ تعرّض للمقدّمات الخمسة الّتي ذكرها المحقّق النائينيّ ، وناقش فيها كلّها ، ثمّ صحّح مسألة الترتّب وبرهن عليه ببيان آخر. وحاصله : أنّ الأمر بالضدّ المهمّ علّق على عصيان الأهمّ. ففي فرض الإتيان بالأهمّ وفعليّة تأثير الأمر به لا موضوع للأمر بالمهمّ ، فلا يتخيّل مزاحمته للأهمّ. وفي فرض الإتيان بالمهمّ وفعليّة تأثيره يستحيل مانعيّته عن فعليّة تأثير الأمر بالأهمّ ، لأنّ اقتضاء المهمّ منوط بعدم فعليّة تأثير الأمر بالأهمّ ، فكيف يمكن أن تكون فعليّة تأثيره اللاحقة لاقتضائه مانعة عن فعليّة تأثير الأهمّ؟! فلا يعقل أن يصل كلا الأمرين إلى مرحلة الفعليّة في التأثير في زمان واحد ، فلا تزاحم في التأثير الفعليّ ويصحّ الترتّب. راجع نهاية الدراية ١ : ٤٥٧ ـ ٤٧٢.

والسيّد الإمام الخمينيّ لم يرتض بما أفاده المحقّق النائينيّ ولا بما أفاده المحقّق الاصفهانيّ ، بل ناقش في كلامهما ، ووافق المصنّف في بطلان الترتّب ، ولكن صحّح تصوير الأمر بالضدّ المهمّ بنحو آخر دون التشبّث بالترتّب ، كما مرّ.

وإن شئت تمام ما أفادوه فراجع أجود التقريرات ١ : ٢٨٦ ـ ٢٩٩ ، نهاية الدراية ١ : ٤٥٧ ـ ٢٧٢ ، مناهج الوصول ٢ : ٣٠ ـ ٥٨.

(٣) وهو الرجحان والمحبوبيّة الذاتيّة.

(٤) أي : بالعبادة الموسّعة.