درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۸۹: اوامر ۱۱۵

 

ثمّ إنّه لا أظنّ أن يلتزم القائل بالترتّب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين ، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد. ولذا كان سيّدنا الأستاذ قدس‌سره (١) لا يلتزم به على ما هو ببالي ، وكنّا نورد به على الترتّب ، وكان بصدد تصحيحه(٢).

فقد ظهر أنّه لا وجه لصحّة العبادة مع مضادّتها لما هو أهمّ منها إلّا ملاك الأمر (٣).

نعم ، فيما إذا كانت موسّعة وكانت مزاحمة بالأهمّ ببعض الوقت ، لا في تمامه ، يمكن أن يقال : إنّه حيث كان الأمر بها (٤) على حاله ـ وإن صارت مضيّقة بخروج ما زاحمه الأهمّ من أفرادها من تحتها ـ أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذاك

__________________

(١) وهو المحقّق الميرزا الكبير الشيرازيّ.

(٢) فيتحصّل أنّ المصنّف ذهب إلى بطلان الترتّب تبعا لاستاذه الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٥٦ ـ ٥٧.

وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى إمكان تصوير الأمر بالضدّ المهمّ بنحو الترتّب ، وبالغ في تنقيحه وتوضيحه بتقديم مقدّمات خمسة لا مجال لذكرها في المقام.

والمحقّق الاصفهانيّ تعرّض للمقدّمات الخمسة الّتي ذكرها المحقّق النائينيّ ، وناقش فيها كلّها ، ثمّ صحّح مسألة الترتّب وبرهن عليه ببيان آخر. وحاصله : أنّ الأمر بالضدّ المهمّ علّق على عصيان الأهمّ. ففي فرض الإتيان بالأهمّ وفعليّة تأثير الأمر به لا موضوع للأمر بالمهمّ ، فلا يتخيّل مزاحمته للأهمّ. وفي فرض الإتيان بالمهمّ وفعليّة تأثيره يستحيل مانعيّته عن فعليّة تأثير الأمر بالأهمّ ، لأنّ اقتضاء المهمّ منوط بعدم فعليّة تأثير الأمر بالأهمّ ، فكيف يمكن أن تكون فعليّة تأثيره اللاحقة لاقتضائه مانعة عن فعليّة تأثير الأهمّ؟! فلا يعقل أن يصل كلا الأمرين إلى مرحلة الفعليّة في التأثير في زمان واحد ، فلا تزاحم في التأثير الفعليّ ويصحّ الترتّب. راجع نهاية الدراية ١ : ٤٥٧ ـ ٤٧٢.

والسيّد الإمام الخمينيّ لم يرتض بما أفاده المحقّق النائينيّ ولا بما أفاده المحقّق الاصفهانيّ ، بل ناقش في كلامهما ، ووافق المصنّف في بطلان الترتّب ، ولكن صحّح تصوير الأمر بالضدّ المهمّ بنحو آخر دون التشبّث بالترتّب ، كما مرّ.

وإن شئت تمام ما أفادوه فراجع أجود التقريرات ١ : ٢٨٦ ـ ٢٩٩ ، نهاية الدراية ١ : ٤٥٧ ـ ٢٧٢ ، مناهج الوصول ٢ : ٣٠ ـ ٥٨.

(٣) وهو الرجحان والمحبوبيّة الذاتيّة.

(٤) أي : بالعبادة الموسّعة.

الأمر ، فإنّه (١) وإن كان خارجا عن تحتها بما هي مأمور بها إلّا أنّه لمّا كان وافيا بغرضها (٢) ـ كالباقي تحتها ـ كان عقلا مثله في الإتيان به في مقام الامتثال والإتيان به بداعي ذاك الأمر ، بلا تفاوت في نظره (٣) بينهما أصلا.

ودعوى أنّ الأمر لا يكاد يدعو إلّا إلى ما هو من أفراد الطبيعة المأمور بها ، وما زوحم منها بالأهمّ وإن كان من أفراد الطبيعة لكنّه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها ؛ فاسدة ، فإنّه إنّما يوجب ذلك إذا كان خروجه عنها بما هي كذلك تخصيصا ، لا مزاحمة ، فإنّه معها (٤) وإن كان لا تعمّه الطبيعة المأمور بها إلّا أنّه ليس لقصور فيه ، بل لعدم إمكان تعلّق الأمر بما يعمّه عقلا (٥).

وعلى كلّ حال ، فالعقل لا يرى تفاوتا في مقام الامتثال وإطاعة الأمر بها (٦) بين هذا الفرد وسائر الأفراد أصلا.

هذا على القول بكون الأوامر متعلّقة بالطبائع.

وأمّا بناء على تعلّقها بالأفراد فكذلك ، وإن كان جريانه عليه أخفى ، كما لا يخفى ، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّه ـ بناء على إمكان الترتّب وصحّته ـ لا بدّ من الالتزام بوقوعه من دون انتظار دليل آخر عليه ؛ وذلك لوضوح أنّ المزاحمة على صحّة الترتّب لا تقتضي عقلا إلّا امتناع الاجتماع في عرض واحد ، لا كذلك (٧).

فلو قيل بلزوم الأمر في صحّة العبادة ـ ولم يكن في الملاك كفاية ـ كانت العبادة مع ترك الأهمّ صحيحة ، لثبوت الأمر بها في هذا الحال ، كما إذا لم تكن هناك مضادّة.

__________________

(١) أي : ما زوحم.

(٢) أي : كان وافيا بالغرض الداعي إلى الأمر بالعبادة. فاسناد الغرض إلى العبادة اسناد مجازيّ.

(٣) أي : في نظر العقل.

(٤) أي : فإنّ الفرد المزاحم مع المزاحمة.

(٥) وفي بعض النسخ : «بما يعمّه عقلا مزاحمة». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) أي : بالطبيعة.

(٧) أي : بنحو الترتّب.