درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۹۱: اوامر ۱۱۷

 

وكون الجواز في العنوان بمعنى الإمكان الذاتيّ بعيد عن محلّ الخلاف بين الأعلام (١).

نعم ، لو كان المراد من لفظ «الأمر» الأمر ببعض مراتبه ، ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الأخر (٢) ـ بأن يكون النزاع في أنّ أمر الآمر يجوز إنشاء (٣) مع علمه بانتفاء شرطه بمرتبة فعليّته؟ وبعبارة اخرى : كان النزاع في جواز إنشائه مع العلم بعدم بلوغه إلى المرتبة الفعليّة لعدم شرطه ـ لكان جائزا ، وفي وقوعه في الشرعيّات والعرفيّات غنى وكفاية ، ولا يحتاج معه إلى مزيد بيان أو مئونة برهان.

وقد عرفت سابقا (٤) أنّ داعي إنشاء الطلب لا ينحصر بالبعث والتحريك جدّا حقيقة ، بل قد يكون صوريّا امتحانا ، وربما يكون غير ذلك.

ومنع كونه أمرا إذا لم يكن بداعي البعث جدّا واقعا وإن كان في محلّه ، إلّا أنّ إطلاق الأمر عليه ـ إذا كانت هناك قرينة على أنّه بداع آخر غير البعث ـ توسّعا ممّا لا بأس به أصلا ، كما لا يخفى.

وقد ظهر بذلك حال ما ذكره الأعلام (٥) في المقام من النقض والإبرام. وربما يقع به التصالح بين الجانبين ، ويرتفع النزاع من البين (٦) ، فتأمّل جيّدا.

__________________

(١) ضرورة أنّه لا يمكن دخل علم الآمر في الإمكان الذاتيّ.

(٢) وفي النسخة الأصليّة : «ببعض مراتبه الأخر». والأولى ما أثبتناه.

(٣) هكذا في النسخ. وكان الأولى أن يقول : «يجوز إنشاؤه ...».

(٤) في المبحث الأوّل من مباحث الفصل الثاني من الفصول المتعلّقة بصيغة الأمر : ١٣٢.

(٥) راجع القوانين ١ : ١٢٤ ـ ١٢٧ ، الفصول الغرويّة : ١٠٩ ، هداية المسترشدين : ٣٠٠.

(٦) فيقال : إنّ مراد القائل بالجواز هو جواز الأمر الإنشائيّ. ومراد القائل بعدم الجواز هو عدم جواز الأمر الفعليّ.

ثمرة المسألة :

وينبغي أن يختم البحث عن هذه المسألة بذكر ثمرتها. فهل تترتّب على البحث عنها ثمرة عمليّة أم لا؟

قد يقال : إنّ الثمرة لهذه المسألة تظهر في من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تماميّة شرائط الوجوب له إلى الليل كمن أفطر أوّلا ثمّ سافر. فعلى القول بجواز أمر الآمر مع علمه ـ

[الفصل السابع]

[في متعلّق الأوامر والنواهي]

فصل : الحقّ أنّ الأوامر والنواهي تكون متعلّقة بالطبائع دون الأفراد.

ولا يخفى : أنّ المراد أنّ متعلّق الطلب في الأوامر هو صرف الإيجاد ، كما أنّ متعلّقه في النواهي هو محض الترك ، ومتعلّقهما (١) هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود والمقيّدة بقيود تكون بها موافقة للغرض والمقصود (٢) ، من دون تعلّق غرض بإحدى الخصوصيّات اللازمة للوجودات ، بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكنا لما كان ذلك ممّا يضرّ بالمقصود أصلا ـ كما هو الحال في القضيّة الطبيعيّة في غير الأحكام ، بل في المحصورة على ما حقّق في غير المقام ـ (٣).

__________________

ـ بانتفاء شرطه تجب عليه الكفّارة ، وعلى القول بعدم الجواز لا تجب.

ولكن ناقش فيها المحقّق النائينيّ بوجه ، والمحقّق الخوئيّ بوجه آخر. فراجع أجود التقريرات ١ : ٢١٠ ، والمحاضرات ٤ : ١٠.

(١) أي : متعلّق كلّ من الإيجاد والترك.

(٢) أي : تكون الطبيعة المقيّدة بتلك القيود موافقة للغرض والمقصود.

والمراد من الحدود والقيود هو العوارض اللازمة لوجود الطبيعة من زمان ومكان ونحوهما.

(٣) لا يخفى : أنّ كلمات القوم في تحرير محلّ النزاع مختلفة :

فيظهر من المصنّف أنّ النزاع في أنّ متعلّق الطلب في الأوامر هل هو وجود الطبيعة بذاتها من دون نظر إلى العوارض والمشخّصات اللازمة لها في الوجود ، بحيث لو فرض ـ فرضا محالا ـ انفكاك تلك العوارض عن الطبيعة لا يضرّ بالمقصود ، أو هو وجود الطبيعة المتقيّدة ـ

وفي مراجعة الوجدان للإنسان غنى وكفاية عن إقامة البرهان على ذلك ، حيث يرى إذا راجعه أنّه لا غرض له في مطلوباته إلّا نفس الطبائع ، ولا نظر له إلّا إليها من دون نظر إلى خصوصيّاتها الخارجيّة وعوارضها العينيّة ، وأنّ نفس وجودها السعيّ (١) بما هو وجودها تمام المطلوب (٢) ، وإن كان ذاك الوجود

__________________

ـ بهذه العوارض ـ أي فرد الطبيعة ـ؟ وعليه فوجود الطبيعة أمر مفروغ عنه في محلّ النزاع.

ويظهر من المحقّق النائينيّ أنّ النزاع في المقام يرجع في الواقع إلى النزاع في وجود الطبيعيّ في الخارج وعدم وجوده. أجود التقريرات ١ : ٢١١ ـ ٢١٢.

ويظهر من السيّد الإمام الخمينيّ أنّ المراد من الكلّيّ الطبيعيّ في محلّ النزاع ليس الكلّيّ الطبيعيّ على اصطلاح علم المنطق ، بل المراد منه العنوان الكلّيّ ، فيبحث في المقام عن أنّ الأمر إذا تعلّق بعنوان كلّيّ فهل يسري إلى الأفراد المتصوّرة منها فتكون الطبيعة وسيلة إلى تعلّقه بالمصاديق الملحوظة ، أو لا يسري إليها بل تعلّق بنفس الماهيّة غير الموجودة الّتي أراد المولى بالأمر إخراجها عن المعدوميّة؟ مناهج الوصول ٢ : ٦٤ ـ ٦٩.

وتحقيق الكلام فوق مستوى ما نحن بصدده. وعلى الطالب المتتبّع أن يرجع إلى المطوّلات ، كنهاية الدراية ١ : ٤٨٠ ـ ٤٨٣ ، ونهاية الأفكار ١ : ٣٨١ ـ ٣٨٤ ، والمحاضرات ٤ : ١٢ ـ ٢١.

(١) والوجه في تسميته بذلك هو سعته باعتبار اتّحاده مع وجود كلّ فرد.

(٢) فعليه تعلّق الطلب بوجودها السعيّ ، لا بوجودها الخاصّ.

ولا يخفى : أنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد ، ولا تشخّص إلّا بالوجود ، فلا معنى لوجود الطبيعة بالوجود السعيّ ، لأنّ الوجود يلازم التشخّص.

وقد يقال ـ كما قال به المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٤٨٤ ـ : أنّ الطلب تعلّق بالوجود المفروض ، وتأثير الطلب فيه بإخراجه من حدّ الفرض إلى الفعليّة. والوجود المفروض قابل للصّدق على كلّ وجود محقّق في الخارج. فالمراد من الوجود السعيّ هو الوجود المفروض.

ولا يخفى عليك : أنّ هذا في الأوامر الصادرة من غير الشارع ممكن. وأمّا في الأوامر الصادرة عن الشارع فممنوع ، كما لا يخفى.

ويمكن أن يقال : إنّ الأوامر والنواهي متعلّقة بالفرد ، لا بالفرد الخاصّ ، فالآمر أراد وجود الطبيعة الّتي تتخصّص بخصوصيّة في الخارج لا محالة ، وهو الفرد مطلقا ، لا أنّه أراد وجود الطبيعة الّتي تتخصّص بخصوصيّة خاصّة في الخارج.

والفرق بين الفرد على الإطلاق والفرد الخاصّ أنّ الأوّل يصدق على كلّ فرد بحيث كان الإتيان بكلّ فرد امتثالا للأمر ، بخلاف الثاني ، كما هو واضح.

لا يكاد ينفكّ في الخارج عن الخصوصيّة (١).

فانقدح بذلك : أنّ المراد بتعلّق الأوامر بالطبائع دون الأفراد أنّها بوجودها السعيّ بما هو وجودها ـ قبالا لخصوص الوجود ـ متعلّقة للطلب ، لا أنّها بما هي هي كانت متعلّقة له ـ كما ربما يتوهّم (٢) ـ ، فإنّها كذلك ليست إلّا هي (٣). نعم ، هي كذلك (٤) تكون متعلّقة للأمر ، فإنّه طلب الوجود (٥) ، فافهم (٦).

دفع وهم

لا يخفى : أنّ كون وجود الطبيعة أو الفرد متعلّقا للطلب إنّما يكون بمعنى أنّ الطالب يريد صدور الوجود من العبد وجعله بسيطا ـ الّذي هو مفاد كان التامّة ـ وإفاضته. لا أنّه يريد ما هو صادر وثابت في الخارج كي يلزم طلب الحاصل ـ كما توهّم (٧) ـ. ولا جعل الطلب متعلّقا بنفس الطبيعة وقد جعل وجودها غاية لطلبها ،

__________________

(١) أي : تعلّق الأمر بوجود الطبيعة الّتي تتخصّص بخصوصيّة في الخارج لا محالة ، من غير فرق بين أنحاء الخصوصيّة ، لا بوجود الطبيعة الخاصّة.

وأنت خبير بأنّه يرجع إلى ما ذكرنا من تعلّق الأمر بالفرد لا بالفرد الخاصّ ، بحيث كان الإتيان بكلّ فرد امتثالا للأمر ، فلم يتعلّق الأمر بالطبيعة.

(٢) المتوهّم صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٥.

(٣) لا موجودة ولا معدومة ، لا مطلوبة ولا لا مطلوبة. والطلب انّما يتعلّق بالأشياء بداعي ما فيها من المصالح أو المفاسد القائمة بوجوداتها. وأمّا الطبائع بأنفسها بما هي ليست فيها مصلحة ولا مفسدة ، فلا وجه لتعلّقه بها.

(٤) أي : الطبيعة بما هي هي.

(٥) لعلّه إشارة إلى أنّ مدلول هيئة الأمر هو طلب الوجود ، فيكون لفظ الأمر اسما لطلب الوجود ، ولا إشكال في صحّة تعلّق طلب الوجود بالطبيعة من حيث هي ، فتكون الطبيعة من حيث هي متعلّقة للأمر.

(٦) ولعلّه إشارة إلى عدم صحّة كون الطبيعة من حيث هي متعلّقة للأمر بالبيان المذكور. وذلك لأنّ الطبيعة من حيث هي ليست متعلّقة لطلب الوجود الّذي هو مدلول هيئة الأمر ، بل متعلّقة لنفس الوجود ، ضرورة أنّ الماهية معروضة للوجود ، وبعد الوجود تعلّق به الطلب ، فلا يصحّ أن يقال : إنّ طلب الوجود متعلّق بالطبيعة بما هي هي.

(٧) المتوهّم صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٦.