درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۹۶: اوامر ۱۲۲

 

ولا مفهوما ، كما هو واضح (١) ، إلّا أن يرجع إلى ما ذكرنا فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأوّل من أنّ الواجب هو الواحد الجامع بينهما. ولا أحدهما معيّنا مع كون كلّ منهما مثل الآخر في أنّه واف بالغرض. [ولا كلّ واحد منهما تعيينا مع السقوط بفعل أحدهما ، بداهة عدم السقوط مع إمكان استيفاء ما في كلّ منهما من الغرض وعدم جواز الإيجاب كذلك مع عدم إمكانه (٢)] ، فتدبّر.

بقي الكلام في أنّه هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الأقلّ والأكثر ، أو لا؟ ربما يقال ب «أنّه محال ، فإنّ الأقلّ إذا وجد كان هو الواجب لا محالة ولو كان في ضمن الأكثر ، لحصول الغرض به ، وكان الزائد عليه من أجزاء الأكثر زائدا على الواجب».

لكنّه ليس كذلك ، فإنّه إذا فرض أنّ المحصّل للغرض فيما إذا وجد الأكثر هو الأكثر ، لا الأقلّ الّذي في ضمنه ـ بمعنى أن يكون لجميع أجزائه حينئذ دخل في حصوله ، وإن كان الأقلّ لو لم يكن في ضمنه كان وافيا به أيضا (٣) ـ فلا محيص عن التخيير بينهما ، إذ تخصيص الأقلّ بالوجوب حينئذ كان بلا مخصّص ، فإنّ الأكثر بحدّه يكون مثله على الفرض ، مثل أن يكون الغرض الحاصل من رسم الخطّ مترتّبا على الطويل إذا رسم بما له من الحدّ ، لا على القصير في ضمنه ، ومعه كيف يجوز تخصيصه بما لا يعمّه؟ ومن الواضح كون هذا الفرض بمكان من الإمكان.

إن قلت : هبه في مثل ما إذا كان للأكثر وجود واحد لم يكن للأقلّ في ضمنه وجود على حدة (٤) ـ كالخطّ الطويل الّذي رسم دفعة بلا تخلّل سكون في البين ـ ، لكنّه ممنوع فيما كان له في ضمنه وجود (٥) ـ كتسبيحة في ضمن تسبيحات ثلاث ،

__________________

(١) الضمير يرجع إلى قوله : «ولا مفهوما».

والوجه في كونه واضحا أنّ الأمر لا يتعلّق إلّا بما يكون مورد الأثر والغرض ، ومعلوم أنّ الغرض لا يترتّب على مفهوم أحدهما أو أحدها ، بل انّما يترتّب على واقع أحدهما أو أحدها.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخة الأصليّة.

(٣) وبتعبير آخر : إنّ الأقلّ محصّل للغرض إذا وجد بحدّه ، ولا يكون محصّلا للغرض إذا وجد في ضمن الأكثر ، بل المحصّل حينئذ هو الأكثر.

(٤) أي : وجد الأكثر دفعة.

(٥) أي : وجد الأكثر تدريجا.

أو خطّ طويل رسم مع تخلّل العدم في رسمه (١) ـ ، فإنّ الأقلّ قد وجد بحدّه ، وبه يحصل الغرض على الفرض ، ومعه لا محالة يكون الزائد عليه ممّا لا دخل له في حصوله ، فيكون زائدا على الواجب ، لا من أجزائه.

قلت : لا يكاد يختلف الحال بذلك ، فإنّه مع الفرض (٢) لا يكاد يترتّب الغرض على الأقلّ في ضمن الأكثر ، وإنّما يترتّب عليه بشرط عدم الانضمام ، ومعه (٣) كان مترتّبا على الأكثر بالتمام (٤).

وبالجملة : إذا كان كلّ واحد من الأقلّ والأكثر بحدّه ممّا يترتّب عليه الغرض ، فلا محالة يكون الواجب هو الجامع بينهما ، وكان التخيير بينهما عقليّا إن كان هناك غرض واحد ، وتخييرا شرعيّا فيما كان هناك غرضان على ما عرفت (٥).

نعم ، لو كان الغرض مترتّبا على الأقلّ من دون دخل للزائد ، لما كان الأكثر مثل الأقلّ وعدلا له ، بل كان فيه اجتماع الواجب وغيره ـ مستحبّا كان أو غيره ـ حسب اختلاف الموارد (٦) ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) والمحقّق الاصفهانيّ أطال الكلام حول الفرق بين المثالين والإيراد عليه. راجع نهاية الدراية ١ : ٤٩٦ ـ ٤٩٨.

(٢) أي : مع فرض إمكان تحصيل الغرض بما هو مشروط بشيء ـ وهو الأكثر ـ وما هو مشروط بشرط لا ـ وهو الأقلّ ـ.

(٣) أي : مع الانضمام.

(٤) لا يخفى : أنّ التخيير حينئذ يرجع إلى التخيير بين المتباينين ، لأنّه يرجع إلى التخيير بين المأخوذ بشرط عدم الانضمام والمأخوذ بشرط الانضمام ، وهما متباينان ، كما هو واضح.

(٥) وفصّل السيّد الإمام الخمينيّ بين ما إذا كان الأقلّ والأكثر من التدريجيّات ، أو كانا من الدفعيّات ويكون كلّ منهما محصّلا لغرض واحد أو يكون لكلّ منهما غرض غير غرض الآخر لا يمكن اجتماعهما ، فيمتنع التخيير في الصور المذكورة ؛ وبين ما إذا كانا من الدفعيّات وترتّب عليهما غرضان قابلان للاجتماع ، فيجوز التخيير بينهما. مناهج الوصول ٢ : ٨٩ ـ ٩١.

(٦) فالزائد على الواجب قد يكون مستحبّا كما عدا تكبيرة الإحرام من التكبيرات الستّة المفتتحة بها الصلاة ، وقد يكون مكروها كالقران بين السورتين على القول بكراهة السورة الثانية ، وقد يكون مباحا كما في نزح خمسين دلوا في مورد الأربعين فتكون العشرة الزائدة مباحة ، وقد يكون حراما كالغسل الثالث لأعضاء الوضوء بناء على حرمته بدعة أو إسرافا.

[الفصل العاشر]

[في الوجوب الكفائيّ]

فصل في الوجوب الكفائيّ (١). والتحقيق أنّه سنخ من الوجوب ، وله تعلّق بكلّ واحد (٢) ، بحيث لو أخلّ بامتثاله الكلّ لعوقبوا على مخالفته جميعا ، وإن سقط عنهم لو أتى به بعضهم. وذلك لأنّه قضيّة ما إذا كان هناك غرض واحد حصل بفعل واحد صادر عن الكلّ أو البعض. كما أنّ الظاهر هو امتثال الجميع لو أتوا به دفعة ، واستحقاقهم للمثوبة ، وسقوط الغرض بفعل الكلّ ، كما هو قضيّة توارد العلل المتعدّدة على معلول واحد (٣).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «في وجوب الواجب الكفائيّ» وفي بعض آخر «في الواجب الكفائيّ».

(٢) أي : بكلّ واحد من آحاد المكلّفين.

(٣) لا يخفى : أنّه ورد في الشريعة المقدّسة ما يكون مطلوبا واحدا ، يطلب من كلّ المكلّفين على وجه الكفاية ، بحيث يسقط عن الجميع لو أتى به واحد منهم ، ويعاقب الجميع لو لم يأت به أحد ، كالصلاة على الميّت وانقاذ الغريق وغيرهما. انّما الكلام في تصوير ذلك وأنّه كيف يعقل أن يكون المطلوب الواحد متعلّقا بالجميع؟

وقد ذكروا في تصويره وجوها :

الأوّل : أنّ التكليف تعلّق بالواحد المردّد ـ أي أحد المكلّفين ـ ، كما ذهب إليه البيضاويّ ونسب إلى الفخر الرازيّ. راجع نهاية السئول ١ : ١٥٨ ، ١٩٤ ـ ١٩٥.

الثاني : أنّ التكليف تعلّق بالمجموع من حيث هو المجموع. وهذا منسوب إلى قطب الدين الشيرازيّ كما في هداية المسترشدين : ٢٦٨. ـ

[الفصل الحادي عشر]

[في الواجب الموقّت والموسّع]

فصل : لا يخفى أنّه وإن كان الزمان ممّا لا بدّ منه عقلا في الواجب ، إلّا أنّه تارة ممّا له دخل فيه شرعا فيكون «موقّتا» ، واخرى لا دخل له فيه أصلا فهو «غير موقّت».

والموقّت إمّا أن يكون الزمان المأخوذ فيه بقدره ف «مضيّق» ، وإمّا أن يكون أوسع منه ف «موسّع».

ولا يذهب عليك : أنّ الموسّع كلّيّ ، كما كان له أفراد دفعيّة كان له أفراد تدريجيّة ، يكون التخيير بينها كالتخيير بين أفرادها الدفعيّة عقليّا.

ولا وجه لتوهّم أن يكون التخيير بينها شرعيّا ، ضرورة أنّ نسبتها إلى الواجب

__________________

ـ الثالث : أنّ التكليف متوجّه إلى صرف وجود المكلّف ـ أي أحد المكلّفين لا بعينه ـ. وهذا ما التزم به المحقّق النائينيّ في أجود التقريرات ١ : ١٧٨ ، وتبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٤ : ٥٥.

الرابع : أنّ التكليف متوجّه إلى جميع المكلّفين ولو بنحو سراية الحكم من الطبيعيّ إلى أفراده. وهذا مختار المحقّق الاصفهانيّ في هامش نهاية الدراية ١ : ٥٠٠.

الخامس : أنّ المكلّف في الواجب الكفائيّ معيّن عند الله وغير معيّن عندنا. وهذا القول لم يصدر ممّن يعتدّ به كما في فواتح الرحموت (المطبوع بهامش المستصفى ١ : ٦٢).

السادس : أنّ التكليف تعلّق إلى كلّ مكلّف تكليفا ناقصا على نحو لا يقتضي إلّا المنع من الترك في حال ترك بقيّة المكلّفين. وهذا مختار المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٣٩٤ ـ ٣٩٦.

نسبة أفراد الطبائع إليها ، كما لا يخفى.

ووقوع الموسّع فضلا عن إمكانه ممّا لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ، ولا اعتناء ببعض التسويلات ، كما يظهر من المطوّلات (١).

[هل يتبع القضاء الأداء؟]

ثمّ إنّه لا دلالة للأمر بالموقّت بوجه على الأمر به في خارج الوقت بعد فوته في الوقت لو لم نقل بدلالته على عدم الأمر به.

نعم ، لو كان التوقيت بدليل منفصل لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت ، وكان لدليل الواجب إطلاق ، لكان قضيّة (٢) إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت ، وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله.

وبالجملة : التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب ، كذلك ربما يكون بنحو تعدّد المطلوب ـ بحيث كان أصل الفعل ولو في خارج الوقت مطلوبا في

__________________

(١) ومراده من «بعض التسويلات» ما ذهب إليه بعض الحنفيّة وبعض الشافعيّة من امتناع الواجب الموسّع ، كما في نهاية السئول ١ : ١٦٣ ـ ١٦٤.

ومنشأ الإشكال عند القائلين بالامتناع أنّ الواجب في الآن الأوّل إمّا أن يجوز تركه إلى غير بدل فهو ينافي وجوب الواجب ، وإمّا أن لا يجوز تركه إلى غير بدل ، فمعناه كون سائر الأبدال في الآن الثاني والثالث وما بعدهما أعدال تخييريّة ، فيكون وجوبه تخييريّا وهو خلف الفرض.

وأجاب عنه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ الواجب على المكلّف هو إتيان الفعل المقيّد بطبيعيّ الوقت بين المبدأ والمنتهى بنحو الحركة التوسطيّة ، لا في كلّ آن آن بنحو الحركة القطعيّة ، فيكون وجوب الفعل في كلّ آن وجوبا عقليّا تخييريّا ، والتخيير العقليّ ليس خلف الفرض ، ولا ينافي كون الوجوب الشرعيّ تعيينيّا. نهاية الدراية ١ : ٥٠١ ـ ٥٠٢.

والقائلون بالامتناع التجئوا إلى تأويل ما ظاهره التوسعة في الشريعة بوجوه لا مجال للتعرّض لها. وإن شئت فراجع نهاية السئول ١ : ١٦٣ ـ ١٦٤ و ١٧١ ، وقوانين الاصول ١ : ١١٨ ، والفصول الغرويّة : ١٠٤ ـ ١٠٥.

(٢) وكان الأولى أن يقول : «لكانت قضيّة».