درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳: خیارات ۳

 

ومن هنا ظهر : أنّ ثبوت خيار المجلس في أوّل أزمنة انعقاد البيع لا ينافي كونه في حدّ ذاته مبنيّاً على اللزوم ؛ لأنّ الخيار حقٌّ خارجيٌّ قابلٌ للانفكاك. نعم ، لو كان في أوّل انعقاده محكوماً شرعاً بجواز الرجوع بحيث يكون حكماً فيه ، لا حقّا مجعولاً قابلاً للسقوط ، كان منافياً لبنائه على اللزوم. فالأصل هنا كما قيل (١) نظير قولهم : إنّ الأصل في الجسم الاستدارة ، فإنّه لا ينافي كون أكثر الأجسام على غير الاستدارة لأجل القاسر الخارجي.

وممّا ذكرنا ظهر وجه النظر في كلام صاحب الوافية ، حيث أنكر هذا الأصل لأجل خيار المجلس (٢). إلاّ أن يريد أنّ الأصل بعد ثبوت خيار المجلس بقاء عدم اللزوم ، وسيأتي ما فيه.

معنى قول العلّامة : إنّه لا يخرج من هذا الاصل إلّا بأمرين

بقي الكلام في معنى قول العلاّمة في القواعد والتذكرة : «إنّه لا يخرج من هذا الأصل إلاّ بأمرين : ثبوت خيارٍ ، أو ظهور عيب». فإنّ ظاهره أنّ ظهور العيب سببٌ لتزلزل البيع في مقابل الخيار ، مع أنّه من أسباب الخيار.

وتوجيهه بعطف الخاصّ على العامّ كما في جامع المقاصد (٣) غير ظاهر ؛ إذ لم يعطف العيب على أسباب الخيار ، بل عطف على نفسه ، وهو مباينٌ له لا أعمّ.

نعم ، قد يساعد عليه ما في التذكرة من قوله : وإنّما يخرج عن‌

__________________

(١) نسبه الشهيدي إلى شارح الوافية ، انظر شرح الوافية (مخطوط) : ٣٢٣.

(٢) الوافية : ١٩٨.

(٣) لم يصرّح بذلك ، نعم يستفاد من عبارته ، انظر جامع المقاصد ٤ : ٢٨٢.

الأصل بأمرين : أحدهما : ثبوت الخيار لهما أو لأحدهما من غير نقصٍ في أحد العوضين ، بل للتروّي خاصّةً. والثاني : ظهور عيبٍ في أحد العوضين (١) ، انتهى.

توجيه كلام العلّامة والمناقشة فيه

وحاصل التوجيه على هذا ـ : أنّ الخروج عن اللزوم لا يكون إلاّ بتزلزل العقد لأجل الخيار ، والمراد بالخيار في المعطوف عليه ما كان ثابتاً بأصل الشرع أو بجعل المتعاقدين ، لا لاقتضاء نقصٍ في أحد العوضين ، وبظهور العيب ما كان الخيار لنقص أحد العوضين.

لكنّه مع عدم تمامه تكلّفٌ في عبارة القواعد ؛ مع أنّه في التذكرة ذكر في الأمر الأوّل الذي هو الخيار فصولاً سبعة بعدد أسباب الخيار ، وجعل السابع منها خيار العيب ، وتكلّم فيه كثيراً (٢). ومقتضى التوجيه : أن يتكلّم في الأمر الأوّل فيما عدا خيار العيب.

توجيه آخر

ويمكن توجيه ذلك : بأنّ العيب سببٌ مستقلٌّ لتزلزل العقد في مقابل الخيار ، فإنّ نفس ثبوت الأرش بمقتضى العيب وإن لم يثبت خيار الفسخ ، موجبٌ لاسترداد جزءٍ من الثمن ، فالعقد بالنسبة إلى جزءٍ من الثمن متزلزلٌ قابلٌ لإبقائه في ملك البائع وإخراجه عنه ، ويكفي في تزلزل العقد مِلْكُ إخراجِ جزءٍ ممّا مَلِكَه البائع بالعقد عن مِلْكِه. وإن شئت قلت : إنّ مرجع ذلك إلى مِلْك فسخ العقد الواقع على مجموع العوضين من حيث المجموع ، ونقض مقتضاه من تملك كلٍّ من مجموع العوضين في مقابل الآخر.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥١٥.

(٢) انظر التذكرة ١ : ٥١٥ و ٥٢٤.

لكنّه مبنيٌّ على كون الأرش جزءاً حقيقيّا من الثمن كما عن بعض العامّة (١) ليتحقّق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده.

وقد صرّح العلاّمة في كتبه : بأنّه لا يعتبر في الأرش كونه جزءاً من الثمن ، بل له إبداله ؛ لأنّ الأرش غرامة (٢). وحينئذٍ فثبوت الأرش لا يوجب تزلزلاً في العقد.

رجوع إلى معاني «الأصل»

ثمّ إنّ «الأصل» بالمعنى الرابع إنّما ينفع مع الشكّ في ثبوت خيارٍ في خصوص البيع ؛ لأنّ الخيار حقٌّ خارجيٌّ يحتاج ثبوته إلى الدليل. أمّا لو شكّ في عقدٍ آخر من حيث اللزوم والجواز فلا يقتضي ذلك الأصل لزومه ؛ لأنّ مرجع الشكّ حينئذٍ إلى الشكّ في الحكم الشرعي.

وأمّا الأصل بالمعنى الأوّل فقد عرفت عدم تمامه.

وأمّا بمعنى الاستصحاب فيجري في البيع وغيره إذا شكّ في لزومه وجوازه.

الأدلة على أصالة اللزوم

وأمّا بمعنى القاعدة فيجري في البيع وغيره ؛ لأنّ أكثر العمومات الدالّة على هذا المطلب يعمّ غير البيع ، وقد أشرنا في مسألة المعاطاة إليها ، ونذكرها هنا تسهيلاً على الطالب :

الاستدلال بآية أوفوا بالعقود

فمنها : قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) دلّ على وجوب الوفاء بكلّ عقد. والمراد بالعقد : مطلق العهد كما فسّر به في صحيحة ابن سنان المرويّة في تفسير عليّ بن إبراهيم (٤) أو ما يسمّى عقداً لغةً‌

__________________

(١) حكاه العلاّمة في التذكرة ١ : ٥٢٨.

(٢) لم نقف عليه في غير التذكرة ١ : ٥٢٨.

(٣) المائدة : ١.

(٤) تفسير القمّي ١ : ١٦٠.