درس مکاسب - خیارات

جلسه ۵: خیارات ۵

 

اللزوم مع الاعتراف بأصل الدلالة لمتابعة المشهور وهو (١) : أنّ المفهوم من الآية عرفاً حكمان : تكليفيٌّ ووضعيٌّ (٢).

وقد عرفت أن ليس المستفاد منها إلاّ حكمٌ واحدٌ تكليفيٌّ يستلزم حكماً وضعيّاً (٣).

الاستدلال بآية (أحل الله البيع)

ومن ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (٤) على اللزوم ، فإنّ حلّية البيع التي لا يراد منها إلاّ حلّية جميع التصرّفات المترتّبة عليه التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر مستلزمةٌ لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثّر.

الاستدلال بآية (تجارة عن تراض)

ومنه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم بإطلاق حلّية أكل المال بالتجارة عن تراضٍ (٥) ، فإنّه يدلّ على أنّ التجارة سببٌ لحلّية التصرّف بقولٍ مطلق حتّى بعد فسخ أحدهما من دون رضا الآخر.

فدلالة الآيات الثلاث على أصالة اللزوم على نهجٍ واحد ، لكن الإنصاف أنّ في دلالة الآيتين بأنفسهما على اللزوم نظراً (٦).

__________________

(١) يعني : ما نشأ من عدم التفطّن.

(٢) لم نقف على قائله.

(٣) راجع الصفحة المتقدّمة.

(٤) البقرة : ٢٧٥.

(٥) المستفاد من قوله تعالى ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ النساء : ٢٩.

(٦) في «ش» بدل قوله «لكنّ الإنصاف .. إلخ» عبارة : «لكن يمكن أن يقال : إنّه إذا كان المفروض الشكّ في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة بإطلاق الآيتين الأخيرتين لم يمكن التمسّك في رفعه إلاّ بالاستصحاب ، ولا ينفع الإطلاق». وقد وردت هذه العبارة في «ف» في الهامش.

الاستدلال بآية أكل المال بالباطل

ومنها : قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ (١) دلّ على حرمة الأكل بكلّ وجهٍ يسمّى باطلاً عرفاً ، وموارد ترخيص الشارع ليس من الباطل ، فإنّ أكل المارّة من ثمر (٢) الأشجار التي يمرّ بها باطلٌ لولا إذن الشارع الكاشف عن عدم بطلانه ، وكذلك الأخذ بالشفعة والخيار ؛ فإنّ رخصة الشارع في الأخذ بهما (٣) يكشف عن ثبوت حقٍّ لذوي الخيار والشفعة ؛ وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ أخذ مال الغير وتملّكه من دون إذن صاحبه باطلٌ عرفاً.

نعم ، لو دلّ الشارع على جوازه كما في العقود الجائزة بالذات أو بالعارض كشف ذلك عن حقٍّ للفاسخ متعلّقٍ بالعين.

الاستدلال بروايتي لا يحل مال امرئ مسلم والناس مسلطون

وممّا ذكرنا يظهر وجه الاستدلال بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ عن طيب نفسه» (٤).

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الناس مسلّطون على أموالهم» (٥) فإنّ مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع : أن لا يجوز أخذه من يده وتملّكه عليه من دون رضاه ؛ ولذا استدلّ المحقّق في الشرائع على عدم جواز رجوع المقرض فيما أقرضه : بأنّ فائدة الملك التسلّط (٦). ونحوه العلاّمة‌

__________________

(١) البقرة : ١٨٨.

(٢) في «ش» : «ثمرة».

(٣) في ظاهر «ق» : «بها» ، ولعلّه من سهو القلم.

(٤) عوالي اللآلي ٢ : ١١٣ ، الحديث ٣٠٩.

(٥) عوالي اللآلي ١ : ٢٢٢ ، الحديث ٩٩ ، و ٤٥٧ ، الحديث ١٩٨.

(٦) الشرائع ٢ : ٦٨.

في بعض كتبه (١).

والحاصل : أنّ جواز العقد الراجع إلى تسلّط الفاسخ على تملّك ما انتقل عنه وصار مالاً لغيره وأخذه منه بغير رضاه منافٍ لهذا العموم.

الاستدلال برواية المؤمنون عند شروطهم

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المؤمنون عند شروطهم» (٢). وقد استدلّ به على اللزوم غير واحدٍ منهم المحقّق الأردبيلي قدس‌سره (٣) بناءً على أنّ الشرط مطلق الإلزام والالتزام ولو ابتداءً من غير ربطٍ بعقدٍ آخر ، فإنّ العقد على هذا شرطٌ ، فيجب الوقوف عنده ويحرم التعدّي عنه ، فيدلّ على اللزوم بالتقريب المتقدّم في ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.

لكن لا يبعد منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائيّة ، بل المتبادر عرفاً هو الإلزام التابع ، كما يشهد به موارد استعمال هذا اللفظ حتّى في مثل قوله عليه‌السلام في دعاء التوبة : «ولك يا ربِّ شرطي أن لا أعود في مكروهك ، وعهدي أن أهجر جميع معاصيك» (٤) ، وقوله عليه‌السلام في أوّل دعاء الندبة : «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا» (٥) كما لا يخفى على من تأمّلها.

مع أنّ كلام بعض أهل اللغة يساعد على ما ادّعينا من الاختصاص ،

__________________

(١) راجع التذكرة ٢ : ٦ ، وفيه بعد الحكم بعدم جواز رجوع المقرض بعد قبض المستقرض هكذا : «صيانة لملكه».

(٢) الوسائل ١٥ : ٣٠ ، الباب ٢٠ من أبواب المهور ، الحديث ٤.

(٣) مجمع الفائدة ٨ : ٣٨٣ ، ومنهم المحدّث البحراني في الحدائق ١٩ : ٤.

(٤) الصحيفة السجّادية : ١٦٦ ، من دعائه عليه‌السلام في ذكر التوبة وطلبها.

(٥) مصباح الزائر : ٤٤٦ ، وعنه في البحار ١٠٢ : ١٠٤.