درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۸: خیار مجلس ۱۱

 

توهّم معارضة اشتراط السقوط لعموم أدلّة الخيار ودفعه

بالمرجّحات (١) وهو ضعيفٌ ؛ لأنّ الترجيح من حيث الدلالة والسند مفقودٌ ، وموافقة عمل الأصحاب لا يصير مرجّحاً بعد العلم بانحصار مستندهم في عموم أدلّة الشروط ، كما يظهر من كتبهم.

ونحوه في الضعف التمسّك بعموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) بناءً على صيرورة شرط عدم الخيار كالجزء من العقد الذي يجب الوفاء به ؛ إذ فيه : أنّ أدلّة الخيار أخصّ ، فيخصّص بها العموم.

بل الوجه مع انحصار المستند في عموم دليل الشروط عدم نهوض أدلّة الخيار للمعارضة ؛ لأنّها مسوقةٌ لبيان ثبوت الخيار بأصل الشرع ، فلا ينافي سقوطه بالمسقط الخارجي وهو الشرط ؛ لوجوب العمل به شرعاً. بل التأمّل في دليل الشرط يقضي بأنّ المقصود منه رفع اليد عن الأحكام الأصليّة الثابتة للمشروطات قبل وقوعها في حيّز الاشتراط ، فلا تعارضه أدلّة تلك الأحكام ، فحاله حال أدلّة وجوب الوفاء بالنذر والعهد في عدم مزاحمتها بأدلّة أحكام الأفعال المنذورة لولا النذر.

ما يشهد لعدم المعارضة

ويشهد لما ذكرنا من حكومة أدلّة الشرط وعدم معارضتها للأحكام الأصليّة حتّى يحتاج إلى المرجّح استشهاد الإمام في كثيرٍ من الأخبار بهذا العموم على مخالفة كثيرٍ من الأحكام الأصليّة.

__________________

(١) قال المامقاني قدس‌سره : «هذا الكلام وما بعده من تضعيف التمسّك بعموم : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ إشارة إلى دفع ما ذكره صاحب الجواهر رحمه‌الله». غاية الآمال : ٤٩٠ ، وراجع الجواهر ٢٣ : ١٢.

(٢) تمسّك به صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٣ : ١٢ ، والآية من سورة المائدة : ١.

منها : صحيحة مالك بن عطيّة ، قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلٍ كان له أبٌ مملوك وكان تحت أبيه جاريةٌ مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها ، فقال لها ابن العبد : هل لكِ أن أُعينك في مكاتبتك حتّى تؤدّي ما عليكِ بشرط أن لا يكون لك الخيار (١) على أبي إذا أنت ملكت نفسكِ؟ قالت : نعم ، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار بعد ذلك. قال عليه‌السلام : لا يكون لها الخيار ، المسلمون عند شروطهم» (٢).

والرواية محمولةٌ بقرينة الإجماع على عدم لزوم الشروط الابتدائيّة على صورة وقوع الاشتراط في ضمن عقدٍ لازم ، أو المصالحة على إسقاط الخيار المتحقّق سببه بالمكاتبة بذلك المال.

وكيف كان ، فالاستدلال فيها بقاعدة الشروط على نفي الخيار الثابت بالعمومات دليلٌ على حكومتها عليها ، لا معارضتها المحوجة إلى التماس المرجّح.

نعم ، قد يستشكل التمسّك بدليل الشروط في المقام من وجوه :

الاستشكال على التمسّك بدليل الشروط بوجوه

الأوّل : أنّ الشرط يجب الوفاء به إذا كان العقد المشروط فيه لازماً ؛ لأنّ الشرط (٣) في ضمن العقد الجائز لا يزيد حكمه على أصل العقد ، بل هو كالوعد ، فلزوم الشرط يتوقّف على لزوم العقد ، فلو ثبت لزوم العقد بلزوم الشرط لزم الدور.

__________________

(١) في «ش» زيادة : «بعد ذلك».

(٢) الوسائل ١٦ : ٩٥ ، الباب ١١ من أبواب المكاتبة ، الحديث الأوّل.

(٣) في «ق» : «الشروط».

الثاني : أنّ هذا الشرط مخالفٌ لمقتضى العقد على ما هو ظاهر قوله : «البيّعان بالخيار» فاشتراط عدم كونهما بالخيار اشتراطٌ لعدم بعض مقتضيات العقد.

الثالث : ما استدلّ به بعض الشافعيّة على عدم جواز اشتراط السقوط : من أنّ إسقاط الخيار في ضمن العقد إسقاطٌ لما لم يجب ؛ لأنّ الخيار لا يحدث إلاّ بعد البيع ، فإسقاطه فيه كإسقاطه قبله (١).

هذا ، ولكن شي‌ءٌ من هذه الوجوه لا يصلح للاستشكال.

مناقشة الوجوه المتقدّمة

أمّا الأوّل ؛ فلأنّ الخارج من عموم الشروط (٢) : الشروط الابتدائيّة ، لأنّها كالوعد ، والواقعة في ضمن العقود الجائزة بالذات أو بالخيار مع بقائها على الجواز ؛ لأنّ الحكم بلزوم الشرط مع فرض جواز العقد المشروط به ممّا لا يجتمعان ؛ لأنّ الشرط تابعٌ وكالتقييد للعقد المشروط به. أمّا إذا كان نفس مؤدّى الشرط لزوم ذلك العقد المشروط به كما فيما نحن فيه لا التزاماً آخر مغايراً لالتزام أصل العقد ، فلزومه الثابت بمقتضى عموم وجوب الوفاء بالشرط عين لزوم العقد ، فلا يلزم تفكيكٌ بين التابع والمتبوع في اللزوم والجواز.

وأمّا الثاني ؛ فلأنّ الخيار حقٌّ للمتعاقدين اقتضاه العقد لو خُلّي ونفسه ، فلا ينافي سقوطه بالشرط.

وبعبارةٍ أُخرى : المقتضي للخيار العقد بشرط لا ، لا طبيعة العقد من حيث هي حتّى لا يوجد بدونه. وقوله : «البيّعان بالخيار» وإن كان‌

__________________

(١) حكاه في التذكرة ١ : ٥١٧ ، وراجع المغني لابن قدامة ٣ : ٥٦٨.

(٢) في «ش» : «الشرط».

له ظهورٌ في العلّية التامّة ، إلاّ أنّ المتبادر من إطلاقه صورة الخلوّ عن شرط السقوط ؛ مع أنّ مقتضى الجمع بينه وبين دليل الشرط كون العقد مقتضياً ، لا تمام العلّة ليكون التخلّف ممتنعاً شرعاً.

نعم ، يبقى الكلام في دفع توهّم : أنّه لو بُني على الجمع بهذا الوجه بين دليل الشرط وعمومات الكتاب والسنّة لم يبقَ شرطٌ مخالفٌ للكتاب والسنّة ، بل ولا لمقتضى العقد. ومحلّ ذلك وإن كان في باب الشروط ، إلاّ أنّ مجمل القول في دفع ذلك فيما نحن فيه : أنّا حيث علمنا بالنصّ والإجماع أنّ الخيار حقٌّ ماليٌّ قابلٌ للإسقاط والإرث ، لم يكن سقوطه منافياً للمشروع (١) ، فلم يكن اشتراطه اشتراط المنافي ، كما لو اشترطا في هذا العقد سقوط الخيار [في عقد آخر (٢)].

و (٣) عن الثالث بما عرفت : من أنّ المتبادر من النصّ المثبت للخيار صورة الخلوّ عن الاشتراط وإقدام المتبايعين على عدم الخيار ، ففائدة الشرط إبطال المقتضي لا إثبات المانع.

صور اشتراط سقوط خيار المجلس :

١ ـ اشتراط عدم الخيار

ويمكن أن يستأنس لدفع الإشكال من هذا الوجه الثالث ومن سابقه بصحيحة مالك بن عطيّة المتقدّمة (٤).

ثمّ إنّ هذا الشرط يتصوّر على وجوه :

أحدها : أن يشترط عدم الخيار‌ وهذا هو مراد المشهور من‌

__________________

(١) كذا في «ق» ، وفي نسخة بدل «ش» : «للمشروط».

(٢) لم يرد في «ق».

(٣) في «ش» زيادة : «أمّا».

(٤) تقدّمت في الصفحة ٥٣.