درس مکاسب - خیارات

جلسه ۲۳: خیار مجلس ۱۶

 

مسألة

المسقط الثالث افتراق المتبايعين

من جملة مسقطات الخيار افتراق المتبايعين ، ولا إشكال في سقوط الخيار به ، ولا في عدم اعتبار ظهوره في رضاهما بالبيع ، وإن كان ظاهر بعض الأخبار ذلك ، مثل قوله عليه‌السلام : «فإذا افترقا فلا خيار لهما بعد الرضا» (١).

معنى الافتراق المسقط

ومعنى حدوث افتراقهما المسقط مع كونهما متفرّقين حين العقد : افتراقهما بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعيّة الحاصلة لهما حين العقد ، فإذا حصل الافتراق الإضافي ولو بمسمّاه ارتفع الخيار ، فلا يعتبر الخطوة ؛ ولذا حكي عن جماعةٍ التعبير بأدنى الانتقال (٢).

والظاهر : أنّ ذكره في بعض العبارات لبيان أقلّ الأفراد ، خصوصاً مثل قول الشيخ في الخلاف : «أقلّ ما ينقطع به خيار المجلس خطوة» (٣) ،

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٤٦ ، الباب الأوّل من أبواب الخيار ، الحديث ٣.

(٢) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة (٤ : ٥٤٣) عن التحرير وجامع المقاصد والمسالك ، راجع التحرير ١ : ١٦٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٨٤ ، والمسالك ٣ : ١٩٦. لكن ليس في الأخيرين تصريح بذلك ، نعم فيهما ما يفيده.

(٣) الخلاف ٣ : ٢١ ، المسألة ٢٦ من كتاب البيوع.

مبنيٌّ على الغالب في الخارج أو في التمثيل لأقلّ الافتراق ؛ فلو تبايعا في سفينتين متلاصقتين كفى مجرّد افتراقهما.

ويظهر من بعضٍ (١) : اعتبار الخطوة ، اغتراراً بتمثيل كثيرٍ من الأصحاب. وعن صريح آخر (٢) : التأمّل في كفاية الخطوة ؛ لانصراف الإطلاق إلى أزيد منها (٣) ، فيستصحب الخيار. ويؤيّده قوله عليه‌السلام في بعض الروايات : «فلمّا استوجبتها قمت فمشيت خُطىً ليجب البيع حين افترقنا» (٤) ، وفيه : منع الانصراف ودلالة الرواية.

ما يحصل به الافتراق

ثمّ اعلم أنّ الافتراق على ما عرفت من معناه يحصل بحركة أحدهما وبقاء الآخر في مكانه ، فلا يعتبر الحركة من الطرفين في صدق افتراقهما ، فالحركة من أحدهما لا يسمّى افتراقاً حتّى يحصل عدم المصاحبة من الآخر ، فذات الافتراق الخارجي (٥) من المتحرّك ، واتّصافها بكونها افتراقاً من الساكن. ولو تحرّك كلٌّ منهما كان حركة كلٍّ منهما افتراقاً بملاحظة عدم مصاحبة الآخر.

وكيف كان ، فلا يعتبر في الافتراق المسقط حركةُ كلٍّ منهما إلى غير جانب الآخر ، كما تدلّ عليه الروايات الحاكية لشراء الإمام عليه‌السلام‌

__________________

(١) ولعلّ المراد به السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٤٢ ٥٤٣.

(٢) وهو السيّد الطباطبائي في الرياض كما في الجواهر ٢٣ : ١٣ ، وراجع الرياض ٨ : ١٨٠.

(٣) في «ق» : «منه».

(٤) الوسائل ١٢ : ٣٤٨ ، الباب ٢ من أبواب خيار المجلس ، الحديث ٢.

(٥) لم ترد «الخارجي» في «ش» ، وشُطب عليها في «ف».

أرضاً وأنّه عليه‌السلام قال : «فلمّا استوجبتها قمت فمشيت خُطىً ليجب البيع حين افترقنا» (١) ، فأثبت افتراق الطرفين بمشيه عليه‌السلام فقط.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة السابقة.

مسألة

الافتراق عن إكراه

المعروف أنّه لا اعتبار بالافتراق عن إكراه‌ إذا منع من التخاير أيضاً ، سواء بلغ حدّ سلب الاختيار أم لا ، لأصالة بقاء الخيار بعد تبادر الاختيار من الفعل المسند إلى الفاعل المختار ، مضافاً إلى حديث «رُفع ما استكرهوا عليه» (١) ، وقد تقدّم في مسألة اشتراط الاختيار في المتبايعين (٢) ما يظهر منه عموم الرفع للحكم الوضعي المحمول على المكلّف ، فلا يختصّ برفع التكليف.

هذا ، ولكن يمكن منع التبادر ، فإنّ المتبادر هو الاختياري في مقابل الاضطراري الذي لم يعدّ فعلاً حقيقيّا قائماً بنفس الفاعل ، بل يكون صورة فعلٍ قائمةً بجسم المضطرّ ، لا في مقابل المكرَه الفاعل بالاختيار لدفع الضرر المتوعَّد على تركه ، فإنّ التبادر ممنوعٌ ، فإذا دخل‌

__________________

(١) الوسائل ١١ : ٢٩٦ ، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ، الحديث ٣ ، و ١٦ : ١٤٤ ، الباب ١٦ من أبواب الأيمان ، الحديث ٣ و ٥ ، وفيها : «وضع» بدل «رفع».

(٢) راجع الجزء الثالث : ٣٠٨ و ٣٣١.

الاختياري المكرَه عليه دخل الاضطراري لعدم القول بالفصل ؛ مع أنّ المعروف بين الأصحاب : أنّ الافتراق ولو اضطراراً مسقطٌ للخيار إذا كان الشخص متمكّناً من الفسخ والإمضاء ، مستدلّين عليه بحصول التفرّق المسقط للخيار.

قال في المبسوط في تعليل الحكم المذكور : لأنّه إذا كان متمكّناً من الإمضاء والفسخ فلم يفعل حتّى وقع التفرّق ، كان ذلك دليلاً على الرضا والإمضاء (١) ، انتهى.

وفي جامع المقاصد تعليل الحكم المذكور بقوله : لتحقّق الافتراق مع التمكّن من الاختيار (٢) ، انتهى.

ومنه يظهر : أنّه لا وجه للاستدلال بحديث «رفع الحكم عن المكره» ؛ للاعتراف بدخول المكره والمضطرّ إذا تمكّنا من التخاير.

والحاصل : أنّ فتوى الأصحاب هي : أنّ التفرّق عن إكراهٍ عليه وعلى ترك التخاير غير مسقطٍ للخيار ، وأنّه لو حصل أحدهما باختياره سقط خياره ، وهذه لا يصحّ الاستدلال عليها (٣) باختصاص الأدلّة بالتفرّق الاختياري ، ولا بأنّ مقتضى حديث الرفع جعل التفرّق المكره عليه كلا تفرّق ؛ لأنّ المفروض أنّ التفرّق الاضطراري أيضاً مسقطٌ مع وقوعه في حال التمكّن من التخاير.

الاستدلال على كون المسقط هو الافتراق عن رضا

فالأولى الاستدلال عليه مضافاً إلى الشهرة المحقّقة الجابرة‌

__________________

(١) المبسوط ٢ : ٨٤.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٢٨٣.

(٣) في «ش» : «وهذا لا يصحّ الاستدلال عليه».