درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳۴: خیار حیوان ۷

 

والدروس (١).

فعلم أنّ العبرة بالرضا ، وإنّما اعتبر التصرّف للدلالة ، وورد النصّ أيضاً بأنّ العرض على البيع إجازةٌ (٢) ، مع أنّه ليس حدثاً عرفاً.

وممّا يؤيّد عدم إرادة الأصحاب كون التصرّف مسقطاً إلاّ من جهة دلالته على الرضا : حكمهُم بأنَّ كلَّ تصرّفٍ يكون إجازةً من المشتري في المبيع يكون فسخاً من البائع ، فلو كان التصرّف (٣) مسقطاً تعبّدياً عندهم من جهة النصّ لم يكن وجهٌ للتعدّي عن كونه إجازةً إلى كونه فسخاً.

وقد صرّح في التذكرة : بأنّ الفسخ كالإجازة يكون بالقول وبالفعل (٤) ، وذكر التصرّف [مثالاً (٥)] للفسخ والإجازة الفعليّين (٦).

فاندفع ما يقال في تقريب كون التصرّف مسقطاً لا للدلالة على الرضا : بأنّ الأصحاب يعدّونه في مقابل الإجازة (٧).

المناقشة في الاحتمال الرابع

وأمّا المعنى الرابع : فهو وإن كان أظهر الاحتمالات من حيث‌

__________________

(١) التحرير ١ : ١٦٨ ، والدروس ٣ : ٢٧٢.

(٢) راجع الوسائل ١٢ : ٣٥٩ ، الباب ١٢ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٣) في «ق» زيادة : «عندهم» ، ولعلّ التكرار من سهو القلم.

(٤) التذكرة ١ : ٥٣٧.

(٥) لم يرد في «ق».

(٦) كذا في «ش» ، وفي «ق» و «ف» : «فعلاً» ، لكن شُطب عليه في «ف» ، وكتب أعلاه ما أثبتناه.

(٧) راجع الجواهر ٢٣ : ٦٦.

اللفظ ، بل جزم به في الدروس (١) ، ويؤيّده ما تقدّم من رواية عبد الله [بن الحسن (٢)] بن زيد ، الحاكية للنبويّ الدالّ كما في الدروس أيضاً (٣) على الاعتبار بنفس الرضا ، وظاهر بعض كلماتهم الآتية.

إلاّ أنّ المستفاد من تتبّع الفتاوى الإجماع على عدم إناطة الحكم بالرضا الفعلي بلزوم العقد ؛ مع أنّ أظهريّته بالنسبة إلى المعنى الثالث غير واضحة.

تعيّن الاحتمال الثالث

فتعيّن إرادة المعنى الثالث ، ومحصّله : دلالة التصرّف لو خُلّي وطبعه على الالتزام وإن لم يفد في خصوص المقام ، فيكون التصرّف إجازةً فعليّةً في مقابل الإجازة القوليّة ؛ وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه.

الاستشهاد بكلمات الفقهاء عليه

قال في المقنعة : إنّ هلاك الحيوان في الثلاثة من البائع ، إلاّ أن يحدث فيه المبتاع حدثاً يدلّ على الرضا بالابتياع (٤) ، انتهى. ومَثّل للتصرّف في مقامٍ آخر بأن ينظر من الأمة إلى ما يحرم لغير المالك (٥).

وقال في المبسوط في أحكام العيوب : إذا كان المبيع بهيمةً وأصاب بها عيباً فله ردّها ، وإذا كان في طريق الردّ جاز له ركوبها‌

__________________

(١) الدروس ٣ : ٢٢٧.

(٢) لم يرد في «ق» ، لكنّه موجود في «ش» والمصدر ، وفيما تقدّم في الصفحة ١٠٠.

(٣) الدروس ٣ : ٢٢٧ ٢٢٨.

(٤) المقنعة : ٥٩٩ ، وانظر ٥٩٢ أيضاً.

(٥) المقنعة : ٥٩٣.

وسقيها وعلفها وحلبها وأخذ لبنها ، وإن نتجت كان له نتاجها. ثمّ قال : ولا يسقط الردّ ؛ لأنّه إنّما يسقط بالرضا بالعيب أو بترك الردّ بعد العلم بالعيب أو بأن يحدث فيه عيبٌ عنده ، وليس هنا شي‌ءٌ من ذلك (١) ، انتهى.

وفي الغنية : لو هلك المبيع في مدّة الخيار فهو من مال بائعه ، إلاّ أن يكون المبتاع قد أحدث فيه حدثاً يدلّ على الرضا (٢) ، انتهى.

وقال الحلبي قدس‌سره في الكافي في خيار الحيوان ـ : فإن هلك في مدّة الخيار فهو من مال البائع ، إلاّ أن يحدث فيه حدثاً يدلّ على الرضا (٣) ، انتهى.

وفي السرائر بعد حكمه بالخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيّام قال : هذا إذا لم يُحدث في هذه المدّة حدثاً يدلّ على الرضا أو يتصرّف فيه تصرّفاً ينقص قيمته ، أو يكون لمثل ذلك التصرّف اجرةٌ ، بأن يركب الدابّة أو يستعمل الحمار أو يقبّل الجارية أو يلامسها أو يدبّرها تدبيراً ليس له الرجوع فيه كالمنذور (٤) ، انتهى.

وقال في موضعٍ آخر : إذا لم يتصرّف فيه تصرّفاً يؤذن بالرضا في العادة (٥).

__________________

(١) المبسوط ٢ : ١٣٩.

(٢) الغنية : ٢٢١.

(٣) الكافي في الفقه : ٣٥٣.

(٤) السرائر ٢ : ٢٨٠.

(٥) السرائر ٢ : ٢٧٧.

وأمّا العلاّمة : فقد عرفت أنّه استدلّ على أصل الحكم بأنّ التصرّف دليل الرضا باللزوم (١).

وقال في موضعٍ آخر : لو ركب الدابّة ليردّها سواء قصرت المسافة أو طالت لم يكن ذلك رضاً بها. ثمّ قال : ولو سقاها الماء أو ركبها ليسقيها ثمّ يردّها لم يكن ذلك رضاً منه بإمساكه ، ولو حلبها في طريقه فالأقرب أنّه تصرّفٌ يؤذن بالرضا (٢).

وفي التحرير في مسألة سقوط ردّ المعيب بالتصرّف قال : وكذا لو استعمل المبيع أو تصرّف فيه بما يدلّ على الرضا (٣).

وقال في الدروس : استثنى بعضهم من التصرّف ركوب الدابّة والطحن عليها وحلبها ، إذ بها يعرف حالها ليختبر (٤) ، وليس ببعيد (٥).

وقال المحقّق الكركي : لو تصرّف ذو الخيار غير عالمٍ ، كأن ظنّها جاريته المختصّة فتبيّنت ذات الخيار أو ذهل عن كونها المشتراة (٦) ففي الحكم تردّدٌ ، ينشأ : من إطلاق الخبر بسقوط الخيار بالتصرّف ، ومن أنّه غير قاصدٍ إلى لزوم البيع ، إذ لو علم لم يفعل ، والتصرّف إنّما عُدّ‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٨.

(٢) التذكرة : ٥٢٩.

(٣) التحرير ١ : ١٨٤.

(٤) كذا في النسخ ، وفي الدروس : «للمختبر».

(٥) الدروس ٣ : ٢٧٢.

(٦) في المصدر : أو ذهل عن كون المشتراة ذات خيار.

مسقطاً لدلالته على الرضا باللزوم (١).

وقال في موضعٍ آخر : ولا يعدّ ركوب الدابّة للاستخبار أو لدفع جموحها أو للخوف من ظالمٍ أو ليردّها تصرّفاً. ثمّ قال : وهل يعدّ حملها للاستخبار تصرّفاً؟ ليس ببعيدٍ أن لا يعدّ. وكذا لو أراد ردّها وحلبها لأخذ اللبن ، على إشكالٍ ينشأ من أنّه ملكه ، فله استخلاصه (٢) ، انتهى.

وحكي عنه في موضعٍ آخر أنّه قال : والمراد بالتصرّف المسقط ما كان المقصود منه التملّك ، لا الاختبار ولا حفظ المبيع كركوب الدابّة للسقي (٣) ، انتهى.

ومراده من التملّك : البقاء عليه والالتزام به ، ويحتمل أن يراد به الاستعمال للانتفاع بالملك ، لا للاختبار أو الحفظ.

ظهور كلمات الفقهاء في المعنى الثالث

هذا ما حضرني من كلماتهم في هذا المقام ، الظاهرة في المعنى الثالث ، وحاصله : التصرّف على وجهٍ يدلّ عرفاً لو خُلّي وطبعه على الالتزام بالعقد ، ليكون إسقاطاً فعليّاً للخيار ، فيخرج منه ما دلّت القرينة على وقوعه لا عن الالتزام.

لكن يبقى الإشكال المتقدّم سابقاً (٤) : من أنّ أكثر أمثلة‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٥.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٤.

(٣) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠ ، وانظر جامع المقاصد ٤ : ٢٩١ و ٣٠٤.

(٤) راجع الصفحة ٩٩.