درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳۷: خیار شرط ۲

 

وربما يستدلّ (١) على ذلك بأنّ اشتراط المدّة المجهولة مخالفٌ للكتاب والسنّة ؛ لأنّه غررٌ.

وفيه : أنّ كون البيع بواسطة الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة غير كون نفس الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة ، ففي الثاني يفسد الشرط ويتبعه البيع ، وفي الأوّل يفسد البيع فيلغو الشرط.

اللهمّ إلاّ أن يراد أنّ نفس الالتزام بخيارٍ في مدّةٍ مجهولةٍ غررٌ وإن لم يكن بيعاً ، فيشمله دليل نفي الغرر ، فيكون مخالفاً للكتاب والسنّة. لكن لا يخفى سراية الغرر إلى البيع ، فيكون الاستناد في فساده إلى فساد شرطه المخالف للكتاب كالأكل من القفا.

__________________

(١) استدلّ به في الجواهر ٢٣ : ٣٢ ، واستدلّ به في المصابيح (مخطوط) : ١٣١ أيضاً.

مسألة

لا فرق في بطلان العقد بين ذكر المدّة المجهولة كقدوم الحاجّ ، وبين عدم ذكر المدّة أصلاً ، كأن يقول : «بعتك على أن يكون لي الخيار» ، وبين ذكر المدّة المطلقة ، كأن يقول : «بعتك على أن يكون لي الخيار مدّة» ؛ لاستواء الكلّ في الغرر.

خلافاً للمحكيّ (١) عن المقنعة والانتصار والخلاف والجواهر والغنية والحلبي ، فجعلوا مدّة الخيار في الصورة الاولى (٢) ثلاثة أيّام. ويحتمل حمل الثانية عليها ، وعن الانتصار والغنية والجواهر : الإجماع عليه (٣).

__________________

(١) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦١ ، وراجع المقنعة : ٥٩٢ ، والانتصار : ٤٣٨ ، المسألة ٢٥٠ ، والخلاف ٣ : ٢٠ ، المسألة ٢٥ ، والجواهر : ٥٤ ، المسألة ١٩٤ ، والغنية : ٢١٩ ، والكافي في الفقه : ٣٥٣.

(٢) في «ش» : «الثانية».

(٣) حكاه أيضاً السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦١ ، وراجع الانتصار : ٤٣٩ ذيل المسألة ٢٥٠ ، والغنية : ٢١٩ ، والجواهر : ٥٤ ، المسألة ١٩٤.

وفي محكيّ الخلاف : وجود أخبار الفرقة به (١).

ولا شكّ أنّ هذه الحكاية بمنزلة إرسال أخبارٍ ، فيكفي في انجبارها الإجماعات المنقولة ؛ ولذا مال إليه في محكيّ الدروس (٢). لكن العلاّمة في التذكرة لم يحكِ هذا القول إلاّ عن الشيخ قدس‌سره وأوَّلَه بإرادة خيار الحيوان (٣).

وعن العلاّمة الطباطبائي في مصابيحه : الجزم به (٤) ، وقوّاه بعض المعاصرين (٥) منتصراً لهم بما في مفتاح الكرامة : من أنّه ليس في الأدلّة ما يخالفه ، إذ الغرر مندفعٌ بتحديد الشرع وإن لم يعلم به المتعاقدان كخيار الحيوان الذي لا إشكال في صحّة العقد مع الجهل به أو بمدّته. وزاد في مفتاح الكرامة (٦) : بأنّ الجهل يؤول إلى العلم الحاصل من الشرع (٧).

مناقشة القول المذكور

وفيه : ما تقدّم في مسألة تعذّر التسليم (٨) : من أنّ بيع الغرر‌

__________________

(١) حكاه أيضاً السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦١ ، وراجع الخلاف ٣ : ٢٠ ، ذيل المسألة ٢٥.

(٢) حكاه السيّد الطباطبائي في المصابيح (مخطوط) : ١٣٢ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٣ : ٣٤ ، وانظر الدروس ٣ : ٢٦٩.

(٣) التذكرة ١ : ٥٢٠.

(٤) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر ٢٣ : ٣٤ ، وانظر المصابيح (مخطوط) : ١٣٢ ، وقال بعد نقل هذا القول ـ : «وهو الأقوى».

(٥) قوّاه في الجواهر ٢٣ : ٣٣ ٣٤.

(٦) في «ش» وهامش «ن» زيادة : «التعليل».

(٧) مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٢.

(٨) راجع الجزء الرابع ، الصفحة ١٨٩.

موضوعٌ عرفيٌّ حكم فيه الشارع بالفساد ، والتحديد بالثلاثة تعبّدٌ شرعيٌّ لم يقصده المتعاقدان ، فإن ثبت بالدليل كان مخصّصاً لعموم نفي الغرر وكان التحديد تعبّدياً ، نظير التحديد الوارد في بعض الوصايا المبهمة (١) ، أو يكون حكماً شرعيّاً ثبت في موضوعٍ خاصّ ، وهو إهمال مدّة الخيار.

والحاصل : أنّ الدعوى في تخصيص أدلّة نفي الغرر لا في تخصّصها. والإنصاف : أنّ ما ذكرنا من حكاية الأخبار ونقل الإجماع لا ينهض لتخصيص قاعدة الغرر ؛ لأنّ الظاهر بقرينة عدم تعرّض الشيخ لذكر شي‌ءٍ من هذه الأخبار في كتابيه الموضوعين لإيداع الأخبار أنّه عوّل في هذه الدعوى [على (٢)] اجتهاده في دلالة الأخبار الواردة في شرط الحيوان (٣). ولا ريب أنّ الإجماعات المحكيّة إنّما تجبر قصور السند المرسل المتّضح دلالته أو القاصر دلالته ، لا المرسل المجهول العين المحتمل لعدم الدلالة رأساً ، فالتعويل حينئذٍ على نفس الجابر ولا حاجة إلى ضمّ المنجبر ، إذ نعلم إجمالاً أنّ المجمعين اعتمدوا على دلالاتٍ اجتهاديّةٍ استنبطوها من الأخبار ؛ ولا ريب أنّ المستند غالباً في إجماعات القاضي وابن زهرة إجماع السيّد في الانتصار.

نعم ، قد روي في كتب العامّة : أنّ حنّان بن منقذ كان يُخدَع في البيع لشجّةٍ أصابته في رأسه ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا بعت فقل‌

__________________

(١) راجع الوسائل ١٣ : ٤٤٣ ٤٥٠ ، الباب ٥٤ و ٥٥ و ٥٦ من أبواب الوصايا.

(٢) لم يرد في «ق».

(٣) راجع الوسائل ١٢ : ٣٤٨ ٣٥٠ ، الباب ٣ من أبواب الخيار.