درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳۸: خیار شرط ۳

 

موضوعٌ عرفيٌّ حكم فيه الشارع بالفساد ، والتحديد بالثلاثة تعبّدٌ شرعيٌّ لم يقصده المتعاقدان ، فإن ثبت بالدليل كان مخصّصاً لعموم نفي الغرر وكان التحديد تعبّدياً ، نظير التحديد الوارد في بعض الوصايا المبهمة (١) ، أو يكون حكماً شرعيّاً ثبت في موضوعٍ خاصّ ، وهو إهمال مدّة الخيار.

والحاصل : أنّ الدعوى في تخصيص أدلّة نفي الغرر لا في تخصّصها. والإنصاف : أنّ ما ذكرنا من حكاية الأخبار ونقل الإجماع لا ينهض لتخصيص قاعدة الغرر ؛ لأنّ الظاهر بقرينة عدم تعرّض الشيخ لذكر شي‌ءٍ من هذه الأخبار في كتابيه الموضوعين لإيداع الأخبار أنّه عوّل في هذه الدعوى [على (٢)] اجتهاده في دلالة الأخبار الواردة في شرط الحيوان (٣). ولا ريب أنّ الإجماعات المحكيّة إنّما تجبر قصور السند المرسل المتّضح دلالته أو القاصر دلالته ، لا المرسل المجهول العين المحتمل لعدم الدلالة رأساً ، فالتعويل حينئذٍ على نفس الجابر ولا حاجة إلى ضمّ المنجبر ، إذ نعلم إجمالاً أنّ المجمعين اعتمدوا على دلالاتٍ اجتهاديّةٍ استنبطوها من الأخبار ؛ ولا ريب أنّ المستند غالباً في إجماعات القاضي وابن زهرة إجماع السيّد في الانتصار.

نعم ، قد روي في كتب العامّة : أنّ حنّان بن منقذ كان يُخدَع في البيع لشجّةٍ أصابته في رأسه ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا بعت فقل‌

__________________

(١) راجع الوسائل ١٣ : ٤٤٣ ٤٥٠ ، الباب ٥٤ و ٥٥ و ٥٦ من أبواب الوصايا.

(٢) لم يرد في «ق».

(٣) راجع الوسائل ١٢ : ٣٤٨ ٣٥٠ ، الباب ٣ من أبواب الخيار.

لا خلابة» (١) وجعل له الخيار ثلاثاً ، وفي روايةٍ : «ولك الخيار ثلاثاً» (٢). والخلابة : الخديعة.

وفي دلالته فضلاً عن سنده ما لا يخفى. وجبرهما (٣) بالإجماعات كما ترى! إذ التعويل عليها مع ذهاب المتأخّرين إلى خلافها (٤) في الخروج عن قاعدة الغرر مشكلٌ ، بل غير صحيحٍ ، فالقول بالبطلان لا يخلو عن قوّة.

القول ببطلان الشرط دون العقد والمناقشة فيه

ثمّ إنّه ربما يقال (٥) ببطلان الشرط دون العقد ، ولعلّه مبنيٌّ على أنّ فساد الشرط لا يوجب فساد العقد.

وفيه : إنّ هذا على القول به فيما إذا لم يوجب الشرط فساداً في أصل البيع كما فيما نحن فيه ؛ حيث إنّ جهالة الشرط يوجب كون البيع غرريّاً ، وإلاّ فالمتّجه فساد البيع ولو لم نقل بسراية الفساد من الشرط إلى المشروط ، وسيجي‌ء تمام الكلام في مسألة الشروط (٦).

__________________

(١) راجع السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢٧٣ ، وكنز العمّال ٤ : ٥٩ ، الحديث ٩٤٩٩ ، والصفحة ٩١ ، الحديث ٩٦٨٢.

(٢) راجع السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢٧٣ ، وكنز العمّال ٤ : ٥٩ ، الحديث ٩٤٩٩ ، والصفحة ٩١ ، الحديث ٩٦٨٢.

(٣) في «ش» : «جبرها».

(٤) ذهب إليه العلاّمة في التحرير ١ : ١٦٦ ، والمختلف ٥ : ٦٦ ، والشهيد الثاني في المسالك ٣ : ٢٠١ ، والسبزواري في الكفاية : ٩١ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ٨ : ١٨٨ ، وقال السيّد الطباطبائي في المصابيح (مخطوط) : ١٣٢ : «وربما لاح ذلك من ظاهر الوسيلة والسرائر والشرائع والنافع والجامع واللمعة ، لتضمّنها اعتبار التعيين في المدّة».

(٥) نقله الشهيد في المسالك ٣ : ٢٠٢ ، بلفظ : «قيل» ، ولكن لم نعثر على القائل.

(٦) انظر الجزء السادس ، الصفحة ٨٩ ٩٠.

مسألة

مبدأ خيار الشرط

مبدأ هذا الخيار عند الإطلاق (١) من حين العقد ؛ لأنّه المتبادر من الإطلاق.

ولو كان زمان الخيار منفصلاً كان مبدؤه أوّل جزءٍ من ذلك الزمان ، فلو شرط خيار الغد كان مبدؤه من طلوع فجر الغد.

فيجوز جعل مبدئه من انقضاء خيار الحيوان ، بناءً على أنّ مبدأه من حين العقد ، ولو جُعل مبدؤه من حين التفرّق بطل ؛ لأدائه إلى جهالة مدّة الخيار.

وعن الشيخ والحلّي : أنّ مبدأه من حين التفرّق (٢). وقد تقدّم عن الشيخ وجهه (٣) مع عدم تمامه (٤).

__________________

(١) لم ترد «عند الإطلاق» في غير «ق».

(٢) حكى عنهما ذلك الشهيد في الدروس ٣ : ٢٦٩ ، وراجع الخلاف ٣ : ٣٣ ، المسألة ٤٤ من كتاب البيوع ، والمبسوط ٢ : ٨٥ ، والسرائر ٢ : ٢٤٧.

(٣) تقدّم في الصفحة ٩٢ ٩٣.

(٤) كذا في «ق» ، والأصحّ : «عدم تماميّته» ، كما في «ش».

نعم ، يمكن أن يقال هنا : إنّ المتبادر من جعل الخيار جعله في زمانٍ لولا الخيار لزم العقد ، كما أشار إليه في السرائر ، لكن لو تمّ هذا لاقتضى كونه في الحيوان من حين انقضاء الثلاثة ، مع أنّ هذا إنّما يتمّ مع العلم بثبوت خيار المجلس ، وإلاّ فمع الجهل به لا يقصد إلاّ الجعل من حين العقد ، بل الحكم بثبوته من حين التفرّق حكمٌ على المتعاقدين بخلاف قصدهما.

مسألة

جعل الخيار للأجنبي

يصحّ جعل الخيار لأجنبيٍّ.

قال في التذكرة : لو باع العبد وشرط الخيار للعبد صحّ البيع والشرط عندنا (١) (٢). وحكي عنه الإجماع في الأجنبيّ (٣) ، قال : لأنّ العبد بمنزلة الأجنبيّ (٤) ولو جعل الخيار لمتعدّدٍ ، كان كلٌّ منهم ذا خيار ، فإن اختلفوا في الفسخ والإجازة قدّم الفاسخ ؛ لأنّ مرجع الإجازة إلى إسقاط خيار المجيز ؛ بخلاف ما لو وكّل جماعةً في الخيار ، فإنّ النافذ هو التصرّف (٥) السابق ؛ لفوات محلّ الوكالة بعد ذلك.

وعن الوسيلة : أنّه إذا كان الخيار لهما واجتمعا على فسخٍ أو‌

__________________

(١) في «ش» زيادة : «معاً».

(٢) راجع التذكرة ١ : ٥٢١.

(٣) حكى عنه ذلك السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٢ ، وراجع التذكرة ١ : ٥٢١ ، وفيه : «عندنا».

(٤) راجع التذكرة ١ : ٥٢١.

(٥) في «ش» : «تصرّف».