درس مکاسب - خیارات

جلسه ۴۴: خیار شرط ۹

 

مناقشة الردّ المذكور

وناقش بعض من تأخّر عنه فيما ذكره قدس‌سره من كون حدوث الخيار بعد الردّ لا قبله ـ : بأنّ ذلك يقتضي جهالة مبدأ الخيار ، وبأنّ الظاهر من إطلاق العرف وتضعيف كثيرٍ من الأصحاب قولَ الشيخ (١) بتوقّف الملك على انقضاء الخيار ببعض الأخبار المتقدّمة في هذه المسألة الدالّة على أنّ غلّة المبيع للمشتري هو كون مجموع المدّة زمان الخيار (٢) ، انتهى.

مناقشة المؤلّف لجميع ما تقدّم

أقول : في أصل الاستظهار المتقدّم والردّ المذكور عن المصابيح والمناقشة على الردّ نظرٌ.

أمّا الأوّل : فلأنه لا مخصِّص لدليل سقوط الخيار بالتصرّف المنسحب في غير مورد النصّ عليه باتّفاق الأصحاب.

وأمّا بناءُ هذا العقد على التصرّف فهو من جهة أنّ الغالب المتعارف البيع بالثمن الكلّي ، وظاهر الحال فيه كفاية ردّ مثل الثمن ؛ ولذا قوّينا (٣) حمل الإطلاق في هذه الصورة على ما يعمّ البدل ، وحينئذٍ فلا يكون التصرّف في عين الفرد المدفوع دليلاً على الرضا بلزوم العقد ؛ إذ لا منافاة بين فسخ العقد وصحّة هذا التصرّف واستمراره ، وهو مورد الموثّق المتقدّم أو منصرف إطلاقه.

أو من جهة تواطؤ المتعاقدين على ثبوت الخيار مع التصرّف أيضاً ، أو للعلم بعدم الالتزام بالعقد بمجرّد التصرّف في الثمن ، وقد مرّ (٤)

__________________

(١) يأتي قول الشيخ في أحكام الخيار ، في مسألة : أنّ المبيع يملك بالعقد.

(٢) الجواهر ٢٣ : ٤٠ ، مع تفاوت في بعض الألفاظ.

(٣) راجع الصفحة ١٣٣.

(٤) مرّ في الصفحة ١٠٣.

أنّ السقوط بالتصرّف ليس تعبّداً شرعيّاً مطلقاً حتّى المقرون منه بعدم الرضا بلزوم العقد.

وأمّا الثاني : فلأنّ المستفاد من النصّ والفتوى كما عرفت (١) كون التصرّف مسقطاً فعليّاً كالقولي يُسقط الخيار في كلّ مقامٍ يصحّ إسقاطه بالقول : والظاهر عدم الإشكال في جواز إسقاط الخيار قولاً قبل الردّ.

هذا ، مع أنّ حدوث الخيار بعد الردّ مبنيٌّ على الوجه الأوّل المتقدّم (٢) من الوجوه الخمسة في مدخليّة الردّ في الخيار ، ولا دليل على تعيينه (٣) في بيع الخيار المتعارف بين الناس ، بل الظاهر من عبارة غير واحدٍ هو الوجه الثاني.

أو نقول : إنّ المتّبع مدلول الجملة الشرطيّة الواقعة في متن العقد ، فقد يؤخذ الردّ فيها قيداً للخيار وقد يؤخذ قيداً للفسخ.

نعم ، لو جُعل الخيار والردّ في جزءٍ معيّنٍ من المدّة كيومٍ بعد السنة كان التصرّف قبله تصرّفاً مع لزوم العقد ، وجاء فيه الإشكال في صحّة الإسقاط هنا (٤) من عدم تحقّق الخيار ، ومن تحقّق سببه.

وأمّا المناقشة في تحديد مبدأ الخيار بالردّ بلزوم جهالة مدّة الخيار ، ففيه : أنّها لا تقدح مع تحديد زمان التسلّط على الردّ والفسخ بعده إن‌

__________________

(١) راجع الصفحة ١٠٤ و ١٠٧.

(٢) تقدّم في الصفحة ١٢٩.

(٣) في «ش» : «تعيّنه».

(٤) في «ش» زيادة : «ولو قولاً».

شاء. نعم ، ذكر في التذكرة : أنّه لا يجوز اشتراط الخيار من حين التفرّق إذا جعلنا مبدأه عند الإطلاق من حين العقد (١). لكن الفرق يظهر بالتأمّل.

وأمّا الاستشهاد عليه بحكم العرف ، ففيه : أنّ زمان الخيار عرفاً لا يراد به إلاّ ما كان الخيار متحقّقاً فيه شرعاً أو بجعل المتعاقدين ، والمفروض أنّ الخيار هنا جعليٌّ ، فالشكّ (٢) في تحقّق الخيار قبل الردّ بجعل المتعاقدين.

وأمّا ما ذكره بعض الأصحاب (٣) في ردّ الشيخ من بعض أخبار المسألة ، فلعلّهم فهموا من مذهبه توقّف الملك على انقضاء زمان الخيار مطلقاً حتّى المنفصل ، كما لا يبعد عن إطلاق كلامه وإطلاق ما استدلّ له به من الأخبار (٤).

الخامس

لو تلف المبيع كان من المشتري

لو تلف المبيع كان من المشتري ، سواءً كان قبل الردّ أو بعده ، ونماؤه أيضاً له مطلقاً. والظاهر عدم سقوط خيار البائع ، فيستردّ المثل‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٠.

(٢) في «ف» : «فالشأن».

(٣) كما ذكره السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٩٤ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٣ : ٨٠.

(٤) قال السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٥ : ٥٩٥ : «وقد يحتجّ له برواية الحلبي" فإذا افترقا فقد وجب البيع"» ، وأخبار أُخر أشار إليها في الجواهر ٢٣ : ٨١.

أو القيمة بردّ الثمن أو بدله. ويحتمل عدم الخيار ، بناءً على أنّ مورد هذا الخيار هو إلزام أنّ له ردّ الثمن وارتجاع البيع (١) ، وظاهره اعتبار بقاء المبيع في ذلك ، فلا خيار مع تلفه.

ثمّ إنّه لا تنافي بين شرطيّة البقاء وعدم جواز تفويت الشرط ، فلا يجوز للمشتري إتلاف المبيع كما سيجي‌ء في أحكام الخيار (٢) لأنّ غرض البائع من الخيار استرداد عين ماله ، ولا يتمّ إلاّ بالتزام إبقائه للبائع (٣).

لو تلف الثمن فممّن يكون؟

ولو تلف الثمن :

فإن كان بعد الردّ وقبل الفسخ ، فمقتضى ما سيجي‌ء : من «أنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» (٤) كونه من المشتري وإن كان ملكاً للبائع ، إلاّ أن يمنع شمول تلك القاعدة للثمن ويدّعى اختصاصها بالمبيع ، كما ذكره بعض المعاصرين (٥) واستظهره من رواية معاوية بن ميسرة المتقدّمة (٦). ولم أعرف وجه الاستظهار ، إذ ليس فيها إلاّ أنّ نماء الثمن للبائع وتلف المبيع من المشتري ، وهما إجماعيّان حتّى في مورد كون التلف ممّن لا خيار له ، فلا حاجة لهما إلى تلك الرواية ، ولا تكون‌

__________________

(١) كذا ، والظاهر : «المبيع».

(٢) يجي‌ء في الجزء السادس ، الصفحة ١٤٤.

(٣) في «ف» : «على البائع».

(٤) يجي‌ء في الجزء السادس ، الصفحة ١٧٦.

(٥) ذكره صاحب الجواهر في الجواهر ٢٣ : ٨٨.

(٦) تقدّمت في الصفحة ١٢٨.