درس مکاسب - خیارات

جلسه ۵۲: خیار غبن ۲

 

من صفات المبيع لم يكن تبيّن فقده كاشفاً عن بطلان البيع ، بل كان كسائر الصفات المقصودة التي لا يوجب تبيّن فقدها إلاّ الخيار ، فراراً عن استلزام لزوم المعاملة إلزامه بما لم يلتزم ولم يرض به ، فالآية إنّما تدلّ على عدم لزوم العقد ، فإذا حصل التراضي بالعوض الغير المساوي كان كالرضا السابق ؛ لفحوى حكم الفضولي والمُكره.

ويضعّف بمنع كون الوصف المذكور عنواناً ، بل ليس إلاّ من قبيل الداعي الذي لا يوجب تخلّفه شيئاً ، بل قد لا يكون داعياً أيضاً. كما إذا كان المقصود ذات المبيع من دون ملاحظة مقدار ماليّته ، فقد يُقدم على أخذ الشي‌ء وإن كان ثمنه أضعاف قيمته والتفت إلى احتمال ذلك ، مع أنّ أخذه على وجه التقييد لا يوجب خياراً إذا لم يذكر في متن العقد.

الأولى الاستدلال عليه بآية ﴿ولا تأكلوا أموالكم﴾

ولو أبدل قدس‌سره هذه الآية بقوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ (١) كان أولى ، بناءً على أنّ أكل المال على وجه الخَدْع ببيع ما يسوي درهماً بعشرةٍ مع عدم تسلّط المخدوع بعد تبيّن خدعه على ردّ المعاملة وعدم نفوذ ردّه أكلُ المال بالباطل ، أمّا مع رضاه بعد التبيّن بذلك فلا يُعدّ أكلاً بالباطل.

ومقتضى الآية وإن كان حرمة الأكل حتّى قبل تبيّن الخَدْع ، إلاّ أنّه خرج بالإجماع وبقي ما بعد اطّلاع المغبون وردِّه للمعاملة.

لكن يعارض الآية ظاهر قوله تعالى ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ بناءً على ما ذكرنا : من عدم خروج ذلك عن موضوع التراضي ،

__________________

(١) البقرة : ١٨٨.

فمع التكافؤ يرجع إلى أصالة اللزوم. إلاّ أن يقال : إنّ التراضي مع الجهل بالحال لا يخرج (١) عن كون أكل الغابن لمال المغبون الجاهل أكلاً بالباطل.

ويمكن أن يقال : إنّ آية التراضي يشمل غير صورة الخَدْع ، كما إذا أقدم المغبون على شراء العين محتمِلاً لكونه بأضعاف قيمته ، فيدلّ على نفي الخيار في هذه الصورة من دون معارضٍ (٢) ، فيثبت عدم الخيار في الباقي بعدم القول بالفصل ، فتعارض مع آية النهي ، المختصّة بصورة الخَدْع ، الشاملة غيرها بعدم القول بالفصل ، فيرجع بعد تعارضهما بضميمة عدم القول بالفصل وتكافئهما إلى أصالة اللزوم.

ما استدل به في التذكرة والمناقشة فيه

واستدلّ أيضاً في التذكرة : بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أثبت الخيار في تلقّي الركبان وإنّما أثبته للغبن (٣). ويمكن أن يمنع صحّة حكاية إثبات الخيار ؛ لعدم (٤) وجودها في الكتب المعروفة بين الإماميّة ليقبل ضعفه الانجبار بالعمل.

__________________

(١) كذا في «ق» ، لكن قال الشهيدي قدس‌سره بعد أن ذكر العبارة بصيغة الإثبات وبيان الغرض منها ـ : «فما استشكل به سيّدنا الأُستاذ قدس‌سره على العبارة ناشٍ عن الغلط في نسخته من حيث اشتمالها على كلمة" لا" قبل" يخرج"» ، هداية الطالب : ٤٥٤ ، وراجع حاشية السيّد اليزدي في مبحث الخيارات : ٣٥ ، ذيل قول المؤلّف : إلاّ أن يقال ..

(٢) في «ش» : «معارضة».

(٣) التذكرة ١ : ٥٢٢.

(٤) كذا في «ش» ومصحّحة «ف» ، وفي «ق» : «وعدم».

الاستدلال بـ «لا ضرر ولا ضرار»

وأقوى ما استدلّ به على ذلك في التذكرة (١) وغيرها (٢) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (٣) ، وكأنّ وجه الاستدلال : أنّ لزوم مثل هذا البيع وعدم تسلّط المغبون على فسخه ضررٌ عليه وإضرارٌ به فيكون منفيّاً ، فحاصل الرواية : أنّ الشارع لم يحكم بحكمٍ يكون فيه الضرر ولم يسوّغ إضرارَ المسلمين بعضِهم بعضاً ، ولم يمضِ لهم من التصرّفات ما فيه ضررٌ على الممضى عليه.

ومنه يظهر صحّة التمسّك لتزلزل كلِّ عقدٍ يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه ، سواءً كان من جهة الغبن أم لا ، وسواءً كان في البيع أم في غيره ، كالصلح الغير المبني على المسامحة والإجارة وغيرها من المعاوضات.

المناقشة في الاستدلال المذكور

هذا ، ولكن يمكن الخدشة في ذلك : بأنّ انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الردّ والإمضاء بكلِّ الثمن ؛ إذ يحتمل أن يتخيّر بين إمضاء العقد بكلِّ الثمن وردِّه في المقدار الزائد ، غاية الأمر ثبوت الخيار للغابن ؛ لتبعّض المال عليه ، فيكون حال المغبون حال المريض إذا اشترى بأزيد من ثمن المثل ، وحاله بعد العلم بالقيمة حال الوارث إذا مات ذلك المريض المشتري ، في أنّ له استرداد الزيادة من دون ردّ جزءٍ من العوض ، كما عليه الأكثر في معاوضات المريض المشتملة على المحاباة (٤) وإن اعترض عليهم العلاّمة بما حاصله : أنّ‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٢.

(٢) كما استدلّ به في الغنية : ٢٢٤ ، والتنقيح الرائع ٢ : ٤٧ ، والرياض ٨ : ١٩٠ وغيرها.

(٣) الوسائل ١٧ : ٣٧٦ ، الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث ، الحديث ١٠.

(٤) راجع جامع المقاصد ١١ : ١٤١ ، والجواهر ٢٨ : ٤٧٣ ٤٧٤.