درس مکاسب - خیارات

جلسه ۵۳: خیار غبن ۳

 

الاستدلال بـ «لا ضرر ولا ضرار»

وأقوى ما استدلّ به على ذلك في التذكرة (١) وغيرها (٢) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (٣) ، وكأنّ وجه الاستدلال : أنّ لزوم مثل هذا البيع وعدم تسلّط المغبون على فسخه ضررٌ عليه وإضرارٌ به فيكون منفيّاً ، فحاصل الرواية : أنّ الشارع لم يحكم بحكمٍ يكون فيه الضرر ولم يسوّغ إضرارَ المسلمين بعضِهم بعضاً ، ولم يمضِ لهم من التصرّفات ما فيه ضررٌ على الممضى عليه.

ومنه يظهر صحّة التمسّك لتزلزل كلِّ عقدٍ يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه ، سواءً كان من جهة الغبن أم لا ، وسواءً كان في البيع أم في غيره ، كالصلح الغير المبني على المسامحة والإجارة وغيرها من المعاوضات.

المناقشة في الاستدلال المذكور

هذا ، ولكن يمكن الخدشة في ذلك : بأنّ انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الردّ والإمضاء بكلِّ الثمن ؛ إذ يحتمل أن يتخيّر بين إمضاء العقد بكلِّ الثمن وردِّه في المقدار الزائد ، غاية الأمر ثبوت الخيار للغابن ؛ لتبعّض المال عليه ، فيكون حال المغبون حال المريض إذا اشترى بأزيد من ثمن المثل ، وحاله بعد العلم بالقيمة حال الوارث إذا مات ذلك المريض المشتري ، في أنّ له استرداد الزيادة من دون ردّ جزءٍ من العوض ، كما عليه الأكثر في معاوضات المريض المشتملة على المحاباة (٤) وإن اعترض عليهم العلاّمة بما حاصله : أنّ‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٢.

(٢) كما استدلّ به في الغنية : ٢٢٤ ، والتنقيح الرائع ٢ : ٤٧ ، والرياض ٨ : ١٩٠ وغيرها.

(٣) الوسائل ١٧ : ٣٧٦ ، الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث ، الحديث ١٠.

(٤) راجع جامع المقاصد ١١ : ١٤١ ، والجواهر ٢٨ : ٤٧٣ ٤٧٤.

استرداد بعض أحد العوضين من دون ردّ بعضَ الآخر ينافي مقتضى المعاوضة (١).

ويحتمل أيضاً أن يكون نفي اللزوم بتسلّط المغبون على إلزام الغابن بأحد الأمرين : من الفسخ في الكلّ ، ومن تدارك ما فات على المغبون بردّ القدر الزائد أو بدله ، ومرجعه إلى أنّ للمغبون الفسخ إذا لم يبذل الغابن التفاوت ، فالمبذول غرامةٌ لما فات على المغبون على تقدير إمضاء البيع ، لا هبةٌ مستقلّةٌ كما في الإيضاح وجامع المقاصد ، حيث انتصرا للمشهور القائلين بعدم سقوط الخيار ببذل الغابن للتفاوت ـ : بأنّ الهبة المستقلّة لا تُخرِج المعاملةَ عن الغبن الموجب للخيار (٢) ، وسيجي‌ء ذلك (٣).

وما ذكرنا نظير ما اختاره العلاّمة في التذكرة واحتمله في القواعد : من أنّه إذا ظهر كذب البائع مرابحةً في إخباره برأس المال فبذل المقدار الزائد مع ربحه ، فلا خيار للمشتري (٤) ، فإنّ مرجع هذا إلى تخيير البائع بين ردّ التفاوت وبين الالتزام بفسخ المشتري.

سقوط الخيار مع بذل الغابن التفاوت للمغبون

وحاصل الاحتمالين : عدم الخيار للمغبون مع بذل الغابن للتفاوت ، فالمتيقّن من ثبوت الخيار له صورة امتناع الغابن من البذل. ولعلّ هذا‌

__________________

(١) راجع القواعد ٢ : ٥٣٦ ، والمختلف ٦ : ٤٢٧.

(٢) الإيضاح ١ : ٤٨٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٩٤.

(٣) سيجي‌ء في الصفحة الآتية.

(٤) التذكرة ١ : ٥٤٤ ، ولم نعثر عليه في القواعد ، راجع مبحث المرابحة في القواعد ٢ : ٥٦.

هو الوجه في استشكال العلاّمة في التذكرة في ثبوت الخيار مع البذل (١) ، بل قول بعضٍ بعدمه (٢) كما يظهر من الرياض (٣).

المبذول ليس هبةً مستقلّةً

ثمّ إنّ المبذول ليس هبةً مستقلّةً حتّى يقال : إنّها لا تُخرِج المعاملة المشتملة على الغبن عن كونها مشتملةً عليه ، ولا جزءً من أحد العوضين حتّى يكون استرداده مع العوض الآخر جمعاً بين جزء العوض وتمام المعوّض (٤) منافياً لمقتضى المعاوضة ، بل هي غرامةٌ لما أتلفه الغابن عليه من الزيادة بالمعاملة الغبنيّة ، فلا يعتبر كونه من عين الثمن ، نظير الأرش في المعيب.

ما استُدلّ به على عدم سقوط الخيار مع البذل والمناقشة فيه

ومن هنا ظهر الخدشة فيما في الإيضاح والجامع ، من الاستدلال على عدم السقوط مع البذل بعد الاستصحاب ـ : بأنّ بذل التفاوت لا يُخرِج المعاملة عن كونها غبنيّةً ؛ لأنّها هبةٌ مستقلّة ، حتّى أنّه لو دفعه على وجه الاستحقاق لم يحلّ أخذه ؛ إذ لا ريب [في (٥)] أنّ من قَبِلَ هبة الغابن لا يسقط خياره (٦) ، انتهى بمعناه.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣ ، وفيه : «ولو دفع الغابن التفاوت احتمل سقوط خيار المغبون» ، نعم في القواعد (٢ : ٦٧) : «ولو دفع الغابن التفاوت فلا خيار على إشكال».

(٢) قال المحقّق النراقي في المستند (١٤ : ٣٩١) بعد نسبته ذلك إلى «قيل» وأنّه احتمله بعض المتأخّرين ـ : «وهو الأقوى».

(٣) راجع الرياض ١ : ٥٢٥.

(٤) كذا في «ق» ، وفي «ش» : «جزء المعوّض وتمام العوض».

(٥) لم يرد في «ق».

(٦) إيضاح الفوائد ١ : ٤٨٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٩٤ ٢٩٥.