درس مکاسب - خیارات

جلسه ۶۴: خیار غبن ۱۴

 

لم يصحّ البيع مع الشكّ في القيمة ، وأيضاً فإنّ ارتفاع الغرر عن هذا البيع ليس لأجل الخيار حتّى يكون إسقاطه موجباً لثبوته ، وإلاّ لم يصحّ البيع ، إذ لا يجدي في الإخراج عن الغرر ثبوت الخيار ؛ لأنّه حكمٌ شرعيٌّ لا يرتفع به موضوع الغرر ، وإلاّ لصحّ كلّ بيعٍ غرريٍّ على وجه التزلزل وثبوت الخيار ، كبيع المجهول وجوده والمتعذّر تسليمه.

وأمّا خيار الرؤية ، فاشتراط سقوطه راجعٌ إلى إسقاط اعتبار ما اشترطاه من الأوصاف في العين الغير المرئيّة ، فكأنهما تبايعا سواءً وجد فيها تلك الأوصاف أم لا ، فصحّة البيع موقوفةٌ على اشتراط تلك الأوصاف ، وإسقاط الخيار في معنى إلغائها الموجب للبطلان.

مع احتمال الصحّة هناك أيضاً ؛ لأنّ مرجع إسقاط خيار الرؤية إلى التزام عدم تأثير تخلّف تلك الشروط ، لا إلى عدم التزام ما اشترطاه من الأوصاف ، ولا تنافي بين أن يُقدم على اشتراء العين بانياً على وجود تلك الأوصاف ، وبين الالتزام بعدم الفسخ لو تخلّفت ، فتأمّل. وسيجي‌ء تمام الكلام في خيار الرؤية (١).

وكيف كان ، فلا أرى إشكالاً في اشتراط سقوط خيار الغبن [من حيث لزوم الغرر (٢)] ؛ إذ لو لم يشرع الخيار في الغبن أصلاً لم يلزم منه غررٌ.

٣ ـ تصرّف المغبون بعد العلم بالغبن

الثالث : تصرّف المغبون بأحد التصرّفات المسقطة للخيارات المتقدّمة بعد علمه بالغبن.

__________________

(١) لم يرد في «ق».

(٢) كما ادّعاه في الجواهر ٢٣ : ٦٨ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٥٨٨ و ٦٠٠.

ويدلّ عليه ما دلّ على سقوط خياري المجلس والشرط به مع عدم ورود نصٍّ فيهما واختصاص النصّ بخيار الحيوان وهو : إطلاقُ بعض معاقد الإجماع بأنّ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل إليه إجازةٌ وفيما انتقل عنه فسخٌ (١) ، و (٢) العلّةُ المستفادة من النصّ في خيار الحيوان المستدلّ بها في كلمات العلماء على السقوط ، وهي الرضا بلزوم العقد.

مع أنّ الدليل هنا إمّا نفي الضرر وإمّا الإجماع ، والأوّل منتفٍ ، فإنّه كما لا يجري مع الإقدام عليه كذلك (٣) لا يجري مع الرضا به بعده. وأمّا الإجماع فهو غير ثابتٍ مع الرضا.

إلاّ أن يقال : إنّ الشكّ في الرفع لا الدفع ، فيستصحب ، فتأمّل. أو ندّعي أنّ ظاهر قولهم فيما نحن فيه : «إنّ هذا الخيار لا يسقط بالتصرّف» شموله للتصرّف بعد العلم بالغبن واختصاص هذا الخيار من بين الخيارات بذلك.

لكنّ الإنصاف عدم شمول التصرّف في كلماتهم لما بعد العلم بالغبن ، وغرضهم من تخصيص الحكم بهذا الخيار أنّ التصرّف مسقطٌ لكلّ خيارٍ ولو وقع قبل العلم بالخيار كما في العيب والتدليس سوى هذا الخيار. ويؤيّد ذلك ما اشتهر بينهم : من أنّ التصرّف قبل العلم بالعيب والتدليس ملزمٌ ؛ لدلالته على الرضا بالبيع فيسقط الردّ ، وإنّما يثبت الأرش في خصوص العيب لعدم دلالة التصرّف على الرضا بالعيب.

__________________

(١) في «ش» زيادة : «عموم».

(٢) في «ش» : «فكذلك».

(٣) المسالك ٣ : ٢٠٧.

وكيف كان ، فاختصاص التصرّف الغير المسقط في كلامهم بما قبل العلم لا يكاد يخفى على المتتبّع في كلماتهم.

نعم ، لم أجد لهم تصريحاً بذلك عدا ما حكي عن صاحب المسالك (١) وتبعه جماعةٌ (٢) ، مع أنّه إذا اقتضى الدليل للسقوط فلا ينبغي الاستشكال من جهة ترك التصريح (٣). بل ربما يستشكل في حكمهم بعدم السقوط بالتصرّف قبل العلم مع حكمهم بسقوط خيار التدليس والعيب بالتصرّف قبل العلم. والاعتذار بالنصّ إنّما يتمّ في العيب دون التدليس ، فإنّه مشتركٌ مع خيار الغبن في عدم النصّ ، ومقتضى القاعدة في حكم التصرّف قبل العلم فيهما واحدٌ.

والتحقيق أن يقال : إنّ مقتضى القاعدة عدم السقوط ؛ لبقاء الضرر ، وعدم دلالة التصرّف مع الجهل على الرضا بلزوم العقد وتحمّل الضرر.

نعم ، قد ورد النصّ في العيب على السقوط (٤) ، وادّعي عليه الإجماع (٥) ، مع أنّ ضرر السقوط فيه متدارَكٌ بالأرش وإن كان نفس إمساك‌

__________________

(١) صرّح به النراقي في المستند ١٤ : ٣٩٥ ، ولم نعثر على غيره ، نعم جاء في مجمع الفائدة ٨ : ٤٠٤ : «وأمّا تصرّف المغبون في مال الغابن فيحتمل ذلك أيضاً ؛ لأنّ الجهل عذر» ، ونحوه ما ورد في الرياض ١ : ٥٢٥.

(٢) كذا وردت العبارة في «ق» ، ووردت في «ش» هكذا : «لكن الاستشكال من جهة ترك التصريح مع وجود الدليل ممّا لا ينبغي».

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٦٢ ، الباب ١٦ من أبواب الخيار.

(٤) ادّعاه في الغنية : ٢٢٢ ، والمختلف ٥ : ١٨٣ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٦٢٦.

(٥) في «ش» : «العين».

المعيب (١) قد يكون ضرراً ، فإن تمّ دليلٌ في التدليس أيضاً قلنا به ، وإلاّ وجب الرجوع إلى دليل خياره.

ثمّ إنّ الحكم بسقوط الخيار بالتصرّف بعد العلم بالغبن مبنيٌّ على ما تقدّم في الخيارات السابقة : من تسليم كون التصرّف دليلاً على الرضا بلزوم العقد ، وإلاّ كان اللازم في غير ما دلّ فعلاً على الالتزام بالعقد من أفراد التصرّف ، الرجوع إلى أصالة بقاء الخيار.

٤ ـ تصرّف المشتري المغبون تصرّفاً مخرجاً عن الملك

الرابع من المسقطات : تصرّف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن تصرّفاً مخرجاً عن الملك على وجه اللزوم كالبيع والعتق. فإنّ المصرَّح به في كلام المحقّق (٢) ومن تأخّر عنه (٣) هو سقوط خياره حينئذٍ ، وقيل : إنّه المشهور (٤). وهو كذلك بين المتأخّرين.

نعم ، ذكر الشيخ في خيار المشتري مرابحةً عند كذب البائع : أنّه لو هلك السلعة أو تصرّف فيها ، سقط الردّ (٥).

والظاهر اتّحاد هذا الخيار مع خيار الغبن ، كما يظهر من جامع‌

__________________

(١) الشرائع ٢ : ٢٢.

(٢) مثل العلاّمة في التذكرة ١ : ٥٢٣ ، والشهيد في غاية المراد ٢ : ٩٩ ، والفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ٤٨ ، وابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٢ : ٣٧٦ ، وانظر مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٢.

(٣) قاله الشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٤٦٥ ، والمحدث الكاشاني في المفاتيح ٣ : ٧٤ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ١ : ٥٢٥.

(٤) المبسوط ٢ : ١٤٣.

(٥) في «ش» : «ولا يبطل».