درس مکاسب - خیارات

جلسه ۷۶: خیار غبن ۲۶

 

العموم الإطلاقي لا يرجع إلاّ إلى العموم الزماني على الوجه الأوّل.

وقد (١) ظهر أيضاً ممّا ذكرنا من تغاير موردي الرجوع إلى الاستصحاب والرجوع إلى العموم ـ : فساد ما قيل في الأُصول : من أنّ الاستصحاب قد يخصّص العموم ، ومثّل له بالصورة الأُولى ، زعماً منه أنّ الاستصحاب قد خَصّص العموم (٢). وقد عرفت أنّ مقام جريان الاستصحاب لا يجوز فيه الرجوع إلى العموم ولو على فرض عدم الاستصحاب ، ومقام جريان العموم لا يجوز فيه الرجوع إلى الاستصحاب ولو على فرض عدم العموم ، فليس شي‌ءٌ منهما ممنوعاً بالآخر في شي‌ءٍ من المقامين.

إذا عرفت هذا فما نحن فيه من قبيل الأوّل ؛ لأنّ العقد المغبون فيه إذا خرج عن عموم وجوب الوفاء فلا فرق بين عدم وجوب الوفاء به في زمانٍ واحدٍ وبين عدم وجوبه رأساً ، نظير العقد الجائز دائماً ، فليس الأمر دائراً بين قلّة التخصيص وكثرته حتّى يتمسّك بالعموم فيما عدا المتيقّن ، فلو فرض عدم جريان الاستصحاب في الخيار على ما سنشير إليه لم يجز التمسّك بالعموم أيضاً. نعم ، يتمسّك فيه حينئذٍ بأصالة اللزوم الثابتة بغير العمومات.

المناقشة في الاستدلال بالاستصحاب للتراخي

وأمّا استناد القول بالتراخي إلى الاستصحاب ، فهو حسنٌ على ما اشتهر من المسامحة في تشخيص الموضوع في استصحاب الحكم الشرعي الثابت بغير الأدلّة اللفظيّة المشخِّصة للموضوع ، مع كون الشكّ‌

__________________

(١) في «ش» : «فقد».

(٢) راجع فرائد الأُصول ٣ : ٢٧٣ ، التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب.

من حيث استعداد الحكم للبقاء. وأمّا على التحقيق من عدم إحراز الموضوع في مثل ذلك على وجه التحقيق ، فلا يجري فيما نحن فيه الاستصحاب ؛ فإنّ المتيقّن سابقاً ثبوت الخيار لمن لم يتمكّن من تدارك ضرره بالفسخ ، فإذا فرضنا ثبوت (١) الحكم من الشرع على هذا الوجه (٢) فلا معنى لانسحابه في الآن اللاحق مع كون الشخص قد تمكّن من التدارك ولم يفعل ؛ لأنّ هذا موضوعٌ آخر يكون إثبات الحكم له من القياس المحرّم.

نعم ، لو أُحرز الموضوع من دليلٍ لفظيٍّ على المستصحب أو كان الشكّ في رافع الحكم حتّى لا يحتمل أن يكون الشكّ لأجل تغيّر الموضوع اتّجه التمسّك بالاستصحاب.

ابتناء الاستصحاب وعدمه على المبنيين في موضوع الاستصحاب

وأمّا ما ذكره في الرياض (٣) ، ففيه : أنّه إن بنى الأمر على التدقيق في موضوع الاستصحاب كما أشرنا هنا وحقّقناه في الأُصول فلا يجري الاستصحاب وإن كان المدرك للخيار الإجماع. وإن بنى على المسامحة فيه كما اشتهر جرى الاستصحاب وإن استند في الخيار إلى قاعدة الضرر ، كما اعترف به ولده قدس‌سرهما في المناهل (٤) مستنداً‌

__________________

(١) في «ش» زيادة : «هذا».

(٢) لم ترد «على هذا الوجه» في «ش».

(٣) المتقدّم عنه في الصفحة ٢٠٦.

(٤) قاله فيما لو بذل الغابن التفاوت ، في تقوية ما اختاره من عدم سقوط الخيار بالبذل وتعرّض لمسألة الفور والتراخي ، لكن لم يتعرّض لهذا المستند ، راجع المناهل : ٣٢٧.

إلى احتمال أن يكون الضرر علّةً محدِثةً يكفي في بقاء الحكم وإن ارتفع. إلاّ أن يدّعى أنّه إذا استند الحكم إلى الضرر فالموضوع للخيار هو المتضرّر العاجز عن تدارك ضرره وهو غير محقَّقٍ في الزمان اللاحق ، كما أشرنا.

ما ذكره بعض المعاصرين في المسألة

ثمّ إنّه بنى المسألةَ بعضُ المعاصرين (١) على ما لا محصَّل له ، فقال ما لفظه : إنّ المسألة مبتنية على أنّ لزوم العقد معناه : أنّ أثر العقد مستمرٌّ إلى يوم القيامة وأنّ عموم الوفاء بالعقود عمومٌ زمانيٌّ ؛ للقطع بأن ليس المراد بالآية الوفاء بالعقود آناً ما ، بل على الدوام ، وقد فهم المشهور منها ذلك ، و (٢) باعتبار أنّ الوفاء بها العمل بمقتضاها ولا ريب أنّ مفاده عرفاً وبحسب قصد المتعاقدين الدوام ، فإذا دلّ دليلٌ على ثبوت خيارٍ : من ضررٍ ، أو إجماعٍ ، أو نصٍّ في ثبوته في الماضي أو مطلقاً بناءً على الإهمال لا الإطلاق في الأخبار فيكون استثناءً من ذلك العامّ ويبقى العامّ على عمومه ، كاستثناء أيّام الإقامة والثلاثين ووقت المعصية ونحوها من حكم السفر.

أو أنّ اللزوم ليس كالعموم وإنّما يُثبت مِلكاً سابقاً ويبقى حكمه مستصحَباً إلى المزيل ، فتكون المعارضة بين استصحابين ، والثاني واردٌ على الأوّل ، فيقدّم عليه ، والأوّل أقوى ؛ لأنّ حدوث الحادث مع زوال علّته السابقة يقضي بعدم اعتبار السابق ، أمّا مع بقائها فلا يلغو اعتبار‌

__________________

(١) وهو الشيخ علي آل كاشف الغطاء في تعليقته على اللمعة (مخطوط) ، مبحث خيار التأخير.

(٢) لم ترد «و» في «ش».