درس مکاسب - خیارات

جلسه ۷۸: خیار غبن ۲۸

 

هذه الجهة. وهذا ليس كاستصحاب الخيار ؛ لأنّ الشكّ هنا في الرافع ، فالموضوع محرَزٌ كما في استصحاب الطهارة بعد خروج المذي ، فافهم واغتنم ، والحمد لله.

هذا ، مضافاً إلى ما قد يقال هنا وفيما يشبهه من إجازة عقد الفضولي ونكاحه وغيرهما ـ : من أنّ تجويز التأخير فيها ضررٌ على من عليه الخيار ، وفيه تأمّلٌ.

المراد من الفوريّة

ثمّ إنّ مقتضى ما استند إليه للفوريّة عدا هذا المؤيّد الأخير هي الفوريّة العرفيّة ؛ لأنّ الاقتصار على الحقيقيّة حرجٌ على ذي الخيار ، فلا ينبغي تدارك الضرر به ، والزائد عليها لا دليل عليه عدا الاستصحاب المتسالَم على ردّه بين أهل هذا القول.

لكن الذي يظهر من التذكرة في خيار العيب على القول بفوريّته ما هو أوسع من الفور العرفي ، قال : خيار العيب ليس على الفور على ما تقدّم ، خلافاً للشافعي ، فإنّه اشترط الفوريّة والمبادرة بالعادة ، فلا يؤمر بالعَدْو ولا الركض ليردّ ، وإن كان مشغولاً بصلاةٍ أو أكلٍ أو قضاء حاجةٍ فله الخيار إلى أن يفرغ ، وكذا لو اطّلع حين دخل وقت هذه الأُمور فاشتغل بها فلا بأس إجماعاً ، وكذا لو لبس ثوباً أو أغلق باباً. ولو اطّلع على العيب ليلاً فله التأخير إلى أن يُصبح وإن لم يكن عذر (١) ، انتهى.

وقد صرّح في الشفعة على القول بفوريّتها بما يقرب من ذلك وجعلها من الأعذار. وصرّح في الشفعة بأنّه لا يجب المبادرة على‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٩.

خلاف العادة ، ورجع (١) في ذلك كلّه إلى العرف ، فكلّ ما لا يُعدّ تقصيراً لا يبطل به الشفعة ، وكلّ ما يُعدّ تقصيراً وتوانياً في الطلب فإنّه مسقطٌ لها (٢) ، انتهى.

والمسألة لا تخلو عن إشكالٍ ، لأنّ جعل حضور وقت الصلاة أو دخول الليل عذراً في ترك الفسخ المتحقّق بمجرّد قوله : «فسخت» لا دليل عليه. نعم ، لو توقّف الفسخ على الحضور عند الخصم أو القاضي أو على الإشهاد ، توجّه ما ذكر في الجملة ، مع أنّ قيام الدليل عليه مشكلٌ ، إلاّ أن يُجعل الدليل على الفوريّة لزوم الإضرار لمن عليه الخيار ، فدفع (٣) ذلك بلزوم المبادرة العرفيّة بحيث لا يُعدّ متوانياً فيه ، فإنّ هذا هو الذي يضرّ بحال من عليه الخيار من جهة عدم استقرار ملكه وكون تصرّفاته فيه في معرض النقض (٤). لكنّك عرفت التأمّل في هذا الدليل.

رأي المصنّف في المسألة

فالإنصاف : أنّه إن تمّ الإجماع الذي تقدّم (٥) عن العلاّمة على عدم البأس بالأُمور المذكورة وعدم قدح أمثالها في الفوريّة ، فهو ، وإلاّ وجب الاقتصار على أوّل مراتب إمكان إنشاء الفسخ ، والله العالم.

معذوريّة الجاهل بالخيار في ترك المبادرة

ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا خلاف في معذوريّة الجاهل بالخيار في ترك‌

__________________

(١) كذا في النسخ ، والصواب : «يُرجع» ، كما في المصدر.

(٢) التذكرة ١ : ٦٠٤.

(٣) في «ش» : «فيدفع».

(٤) في «ش» : «النقص».

(٥) المتقدّم عنه في الصفحة الماضية.

المبادرة ، لعموم نفي الضرر ؛ إذ لا فرق بين الجاهل بالغبن والجاهل بحكمه ، وليس ترك الفحص عن الحكم الشرعي منافياً لمعذوريّته ، كترك الفحص عن الغبن وعدمه.

لو جهل الفوريّة

ولو جهل الفوريّة فظاهر بعضٍ الوفاق على المعذوريّة. ويشكل بعدم جريان نفي الضرر هنا ؛ لتمكّنه من الفسخ وتدارك الضرر ، فيرجع إلى ما تقدّم من أصالة بقاء آثار العقد وعدم صحّة فسخ المغبون بعد الزمان الأوّل. وقد حكي عن بعض الأساطين عدم المعذوريّة في خيار التأخير (١) ، والمناط واحدٌ.

لو ادّعى الجهل بالخيار

ولو ادّعى الجهل بالخيار فالأقوى القبول ، إلاّ أن يكون ممّا لا يخفى عليه هذا الحكم الشرعي إلاّ لعارضٍ ، ففيه نظرٌ.

وقال في التذكرة في باب الشفعة : إنّه لو قال : «لم أعلم ثبوت حقّ الشفعة» أو قال : «أخّرت لأني لم أعلم أنّ الشفعة على الفور» فإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بريّةٍ لا يعرفون الأحكام قُبل قوله وله الأخذ بالشفعة ، وإلاّ فلا (٢) ، انتهى.

فإن أراد بالتقييد المذكور تخصيص السماع بمن يحتمل في حقّه الجهل ، فلا حاجة إليه ؛ لأنّ أكثر العوامّ وكثيراً من الخواصّ لا يعلمون مثل هذه الأحكام. وإن أراد تخصيص السماع بمن يكون الظاهر في حقّه عدم العلم ، ففيه : أنّه لا داعي إلى اعتبار الظهور ، مع أنّ الأصل العدم.

الناسي في حكم الجاهل

والأقوى : أنّ الناسي في حكم الجاهل. وفي سماع دعواه النسيان‌

__________________

(١) لم نعثر عليه ، ولا على الحاكي.

(٢) التذكرة ١ : ٦٠٥ ، مع تقديم وتأخير في بعض العبارات.