درس مکاسب - خیارات

جلسه ۷۹: خیار تاخیر ۱

 

المبادرة ، لعموم نفي الضرر ؛ إذ لا فرق بين الجاهل بالغبن والجاهل بحكمه ، وليس ترك الفحص عن الحكم الشرعي منافياً لمعذوريّته ، كترك الفحص عن الغبن وعدمه.

لو جهل الفوريّة

ولو جهل الفوريّة فظاهر بعضٍ الوفاق على المعذوريّة. ويشكل بعدم جريان نفي الضرر هنا ؛ لتمكّنه من الفسخ وتدارك الضرر ، فيرجع إلى ما تقدّم من أصالة بقاء آثار العقد وعدم صحّة فسخ المغبون بعد الزمان الأوّل. وقد حكي عن بعض الأساطين عدم المعذوريّة في خيار التأخير (١) ، والمناط واحدٌ.

لو ادّعى الجهل بالخيار

ولو ادّعى الجهل بالخيار فالأقوى القبول ، إلاّ أن يكون ممّا لا يخفى عليه هذا الحكم الشرعي إلاّ لعارضٍ ، ففيه نظرٌ.

وقال في التذكرة في باب الشفعة : إنّه لو قال : «لم أعلم ثبوت حقّ الشفعة» أو قال : «أخّرت لأني لم أعلم أنّ الشفعة على الفور» فإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بريّةٍ لا يعرفون الأحكام قُبل قوله وله الأخذ بالشفعة ، وإلاّ فلا (٢) ، انتهى.

فإن أراد بالتقييد المذكور تخصيص السماع بمن يحتمل في حقّه الجهل ، فلا حاجة إليه ؛ لأنّ أكثر العوامّ وكثيراً من الخواصّ لا يعلمون مثل هذه الأحكام. وإن أراد تخصيص السماع بمن يكون الظاهر في حقّه عدم العلم ، ففيه : أنّه لا داعي إلى اعتبار الظهور ، مع أنّ الأصل العدم.

الناسي في حكم الجاهل

والأقوى : أنّ الناسي في حكم الجاهل. وفي سماع دعواه النسيان‌

__________________

(١) لم نعثر عليه ، ولا على الحاكي.

(٢) التذكرة ١ : ٦٠٥ ، مع تقديم وتأخير في بعض العبارات.

نظرٌ : من أنّه مدّعٍ ، ومن تعسّر إقامة البيّنة عليه وأنّه لا يُعرف إلاّ من قِبَله.

الظاهر معذوريّة الشاكّ

وأمّا الشاكّ في ثبوت الخيار فالظاهر معذوريّته. ويحتمل عدم معذوريّته ؛ لتمكّنه من الفسخ بعد الاطّلاع على الغبن ثمّ السؤال عن صحّته شرعاً ، فهو متمكّنٌ من الفسخ العرفي ، إذ الجهل بالصحّة لا يمنع عن الإنشاء ، فهو مقصّرٌ بترك الفسخ لا لعذرٍ ، فافهم ، والله العالم.

الخامس

خيار التأخير‌

كلام التذكرة في خيار التأخير

قال في التذكرة : من باع شيئاً ولم يسلّمه إلى المشتري ولا قبض الثمن ولا شرط تأخيره ولو ساعةً لزم البيع ثلاثة أيّام ، فإن جاء المشتري بالثمن في هذه الثلاثة فهو أحقّ بالعين. وإن مضت الثلاثة ولم يأتِ بالثمن تخيّر البائع بين فسخ العقد والصبر والمطالبة بالثمن عند علمائنا أجمع (١).

الدليل على هذا الخيار

والأصل في ذلك قبل الإجماع المحكيّ (٢) عن الانتصار والخلاف والجواهر وغيرها (٣) المعتضد بدعوى الاتّفاق المصرَّح بها في التذكرة (٤)

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) حكاه عنهم السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٦ ، وراجع الانتصار : ٤٣٧ ، المسألة ٢٤٩ ، والخلاف ٣ : ٢٠ ، المسألة ٢٤ ، وجواهر الفقه : ٥٤ ، المسألة ١٩٣.

(٣) مثل : الحدائق ١٩ : ٤٤ ، والرياض ١ : ٥٢٥ ، ومستند الشيعة ١٤ : ٣٩٧ ، والجواهر ٢٣ : ٥١.

(٤) تقدّم التخريج عنها آنفاً ، وراجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٦ ٥٧٧.

والظاهرة من غيرها ، وبما ذكره في التذكرة : من أنّ الصبر أبداً مظنّة الضرر المنفيّ بالخبر (١) ، بل الضرر هنا أشدّ من الضرر في الغبن ؛ حيث إنّ المبيع هنا في ضمانه وتلفه منه وملكٌ لغيره لا يجوز له التصرّف فيه الأخبار المستفيضة ، منها :

الروايات الواردة في المقام

رواية عليّ بن يقطين ، قال : «سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن ، قال :

الأجل بينهما ثلاثة أيّام ، فإن قبض (٢) بيعه ، وإلاّ فلا بيع بينهما» (٣).

ورواية إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح ، قال : «من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة أيّامٍ ولم يجي‌ء ، فلا بيع له» (٤).

ورواية ابن الحجّاج قال : «اشتريت محمِلاً وأعطيت بعض الثمن وتركته عند صاحبه ، ثمّ احتبست أيّاماً ، ثمّ جئت إلى بائع المحمِل لآخذه ، فقال : قد بعته ، فضحكت ، ثمّ قلت : لا والله! لا أدعك أو أُقاضيك ، فقال : أترضى بأبي بكر بن عيّاش؟ قلت : نعم ، فأتيناه فقصصنا عليه قصّتنا ، فقال أبو بكر : بقول من تحبّ أن يُقضى (٥) بينكما ، بقول صاحبك أو غيره؟ قلت : بقول صاحبي ، قال : سمعته يقول : من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له» (٦).

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) كذا في «ش» ، وفي «ق» : «قبضه» ، وهو من سهو القلم.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٥٧ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.

(٤) نفس المصدر ، الحديث ٤.

(٥) كذا في «ق» ، وفي «ش» والمصدر : «أن أقضي».

(٦) الوسائل ١٢ : ٣٥٦ ٣٥٧ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : «قلت له : الرجل يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده ، فيقول : آتيك بثمنه؟ قال : إن جاء ما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له» (١).

ظاهر الروايات بطلان البيع

وظاهر هذه الأخبار بطلان البيع ، كما فهمه في المبسوط حيث قال : روى أصحابنا أنّه إذا اشترى شيئاً بعينه بثمنٍ معلومٍ وقال للبائع أجيئك بالثمن ومضى ، فإن جاء في مدّة الثلاثة كان البيع له ، وإن لم يرتجع بطل البيع (٢) ، انتهى.

وربما يُحكى (٣) عن ظاهر الإسكافي (٤) المعبِّر بلفظ الروايات ، وتوقّف فيه المحقّق الأردبيلي (٥) ، وقوّاه صاحب الكفاية (٦) ، وجزم به في الحدائق طاعناً على العلاّمة في المختلف ، حيث إنّه اعترف بظهور الأخبار في خلاف المشهور ثمّ اختار المشهور مستدلا بأنّ الأصل بقاء صحّة العقد ، وحَمَل الأخبار على نفي اللزوم (٧).

أقول : ظهور الأخبار في الفساد في محلّه ، إلاّ أنّ فهم العلماء‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥٦ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٢) المبسوط ٢ : ٨٧ ، وفيه بدل «وإن لم يرتجع» : «وإن لم يجي‌ء».

(٣) في «ش» وهامش «ف» زيادة : «هذا».

(٤) حكاه الشهيد في الدروس ٣ : ٢٧٤ ، وراجع المختلف ٥ : ٧٠.

(٥) راجع مجمع الفائدة ٨ : ٤٠٥ ٤٠٦.

(٦) الكفاية : ٩٢ ، وفيه بعد نقل الخيار عن جماعة ـ : «وعن ظاهر ابن الجنيد والشيخ بطلان البيع ، ولعلّ الأقرب الثاني».

(٧) الحدائق ١٩ : ٤٧ ٤٨ ، وراجع المختلف ٥ : ٧١.