درس مکاسب - خیارات

جلسه ۸۰: خیار تاخیر ۲

 

وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : «قلت له : الرجل يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده ، فيقول : آتيك بثمنه؟ قال : إن جاء ما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له» (١).

ظاهر الروايات بطلان البيع

وظاهر هذه الأخبار بطلان البيع ، كما فهمه في المبسوط حيث قال : روى أصحابنا أنّه إذا اشترى شيئاً بعينه بثمنٍ معلومٍ وقال للبائع أجيئك بالثمن ومضى ، فإن جاء في مدّة الثلاثة كان البيع له ، وإن لم يرتجع بطل البيع (٢) ، انتهى.

وربما يُحكى (٣) عن ظاهر الإسكافي (٤) المعبِّر بلفظ الروايات ، وتوقّف فيه المحقّق الأردبيلي (٥) ، وقوّاه صاحب الكفاية (٦) ، وجزم به في الحدائق طاعناً على العلاّمة في المختلف ، حيث إنّه اعترف بظهور الأخبار في خلاف المشهور ثمّ اختار المشهور مستدلا بأنّ الأصل بقاء صحّة العقد ، وحَمَل الأخبار على نفي اللزوم (٧).

أقول : ظهور الأخبار في الفساد في محلّه ، إلاّ أنّ فهم العلماء‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥٦ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٢) المبسوط ٢ : ٨٧ ، وفيه بدل «وإن لم يرتجع» : «وإن لم يجي‌ء».

(٣) في «ش» وهامش «ف» زيادة : «هذا».

(٤) حكاه الشهيد في الدروس ٣ : ٢٧٤ ، وراجع المختلف ٥ : ٧٠.

(٥) راجع مجمع الفائدة ٨ : ٤٠٥ ٤٠٦.

(٦) الكفاية : ٩٢ ، وفيه بعد نقل الخيار عن جماعة ـ : «وعن ظاهر ابن الجنيد والشيخ بطلان البيع ، ولعلّ الأقرب الثاني».

(٧) الحدائق ١٩ : ٤٧ ٤٨ ، وراجع المختلف ٥ : ٧١.

فهم العلماء ممّا يقرّب نفي اللزوم

وحَمَلَةِ الأخبار نفيَ اللزوم (١) ممّا يقرّب هذا المعنى ؛ مضافاً إلى ما يقال : من أنّ قوله عليه‌السلام في أكثر تلك الأخبار : «لا بيع له» ظاهرٌ في انتفاء البيع بالنسبة إلى المشتري فقط ، ولا يكون إلاّ نفي اللزوم من طرف البائع ، إلاّ أنّ في رواية ابن يقطين : «فلا بيع بينهما».

وكيف كان ، فلا أقلّ من الشكّ فيرجع إلى استصحاب الآثار المترتّبة على البيع.

وتوهّم : كون الصحّة سابقاً في ضمن اللزوم ، فترتفع بارتفاعه ، مندفعٌ : بأنّ اللزوم ليس من قبيل الفصل للصحّة ، وإنّما هو حكمٌ مقارنٌ له في خصوص البيع الخالي من الخيار.

ثمّ إنّه يشترط في هذا الخيار أُمور :

شرائط خيار التأخير :

١ ـ عدم قبض المبيع

أحدها : عدم قبض المبيع ، ولا خلاف في اشتراطه ظاهراً ، ويدلّ عليه من الروايات المتقدّمة قوله عليه‌السلام في صحيحة عليّ بن يقطين المتقدّمة : «فإن قبض بيعه ، وإلاّ فلا بيع بينهما» (٢) بناءً على أنّ «البيع» هنا بمعنى المبيع.

لكن في الرياض : إنكار دلالة الأخبار على هذا الشرط (٣) ، وتبعه بعض المعاصرين (٤). ولا أعلم له وجهاً غير سقوط هذه الفقرة عن‌

__________________

(١) في «ش» : «وحملهم الأخبار على نفي اللزوم».

(٢) تقدّمت في الصفحة ٢١٨.

(٣) راجع الرياض ١ : ٥٢٥.

(٤) وهو صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٣ : ٥٣ ، وجاء في المستند ١٤ : ٣٩٨ : «وأكثر تلك الأخبار وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى إقباض المبيع وعدمه ..».

النسخة المأخوذ منها الرواية ، أو احتمال قراءة «قَبَض» بالتخفيف ، و «بيّعُه» بالتشديد ، يعني : قَبَضَ بائعُه الثمنَ. ولا يخفى ضعف هذا الاحتمال ؛ لأنّ استعمال «البيّع» بالتشديد مفرداً نادر ، بل لم يوجد ، مع إمكان إجراء أصالة عدم التشديد ، نظير ما ذكره في الروضة : من أصالة عدم المدّ في لفظ «البكاء» الوارد في قواطع الصلاة (١).

لو كان عدم قبض المشتري لعدوان البائع

ثمّ إنّه لو كان عدم قبض المشتري لعدوان البائع بأن بذله (٢) الثمن فامتنع من أخذه وإقباض المبيع فالظاهر عدم الخيار ؛ لأنّ ظاهر النصّ والفتوى كون هذا الخيار إرفاقاً للبائع ودفعاً لتضرّره ، فلا يجري فيما إذا كان الامتناع من قِبَله.

لو قبضه المشتري على وجهٍ يكون للبائع استرداده

ولو قبضه المشتري على وجهٍ يكون للبائع استرداده كما إذا كان بدون إذنه مع عدم إقباض الثمن ففي كونه ك‍ «لا قبض» مطلقاً ، أو مع استرداده ، أو كونه قبضاً ، وجوهٌ ، رابعها : ابتناء المسألة على ما سيجي‌ء في أحكام القبض ، من ارتفاع الضمان عن البائع بهذا القبض وعدمه (٣).

ولعلّه الأقوى ؛ إذ مع ارتفاع الضمان بهذا القبض لا ضرر على البائع إلاّ من جهة وجوب حفظ المبيع لمالكه وتضرّره بعدم وصول ثمنه إليه ، وكلاهما ممكن الاندفاع بأخذ المبيع مقاصّةً. وأمّا مع عدم ارتفاع الضمان بذلك فيجري دليل الضرر بالتقريب المتقدّم وإن ادّعي انصراف‌

__________________

(١) الروضة البهيّة ١ : ٥٦٥.

(٢) في «ش» : «بذل له».

(٣) انظر الجزء السادس ، الصفحة ٢٧٤ ٢٧٥.

الأخبار إلى غير هذه الصورة (١).

ولو مكّن المشتري من القبض فلم يقبض

ولو مكّن المشتري من القبض فلم يقبض ، فالأقوى أيضاً ابتناء المسألة على ارتفاع الضمان وعدمه.

وربما يستظهر من قول السائل في بعض الروايات : «ثمّ يدعه عنده» (٢) عدم كفاية التمكين. وفيه نظرٌ. والأقوى عدم الخيار ؛ لعدم الضمان.

لو قبض بعض المبيع

وفي كون قبض بعض المبيع ك‍ «لا قبضٍ» لظاهر الأخبار ، أو كالقبض ، لدعوى انصرافها إلى صورة عدم قبض شي‌ءٍ منه ، أو تبعيض الخيار بالنسبة إلى المقبوض وغيره استناداً مع تسليم الانصراف المذكور إلى تحقّق الضرر بالنسبة إلى غير المقبوض لا غير ، وجوهٌ.

٢ ـ عدم قبض مجموع الثمن

الشرط الثاني : عدم قبض مجموع الثمن ، واشتراطه مجمَعٌ عليه نصّاً وفتوى.

وقبض البعض ك‍ «لا قبض» ؛ لظاهر الأخبار المعتضد بفهم أبي بكر ابن عيّاش في رواية ابن الحجّاج المتقدّمة (٣) ، وربما يستدلّ بها (٤) تبعاً للتذكرة (٥). وفيه نظرٌ.

القبض بدون الإذن كالعدم

والقبض بدون الإذن كعدمه ؛ لظهور الأخبار في اشتراط وقوعه‌

__________________

(١) في «ش» زيادة : «لكنّه مشكلٌ ، كدعوى شمولها ولو قلنا بارتفاع الضمان».

(٢) الوارد في صحيحة زرارة المتقدّمة في الصفحة ٢١٩.

(٣) تقدّمت في الصفحة ٢١٨.

(٤) في «ش» بدل «بها» : «بتلك الرواية» ، واستدلّ بها في الجواهر ٢٣ : ٥٣.

(٥) التذكرة ١ : ٥٢٣.