درس مکاسب - خیارات

جلسه ۸۸: خیار تاخیر ۱۰

 

مسألة

شراء ما يفسد من يومه

لو اشترى ما يفسد من يومه ، فإن جاء بالثمن ما بينه وبين الليل ، وإلاّ فلا بيع له ، كما في مرسلة محمّد بن أبي حمزة (١). والمراد من نفي البيع نفي لزومه. ويدلّ عليه قاعدة «نفي الضرر» ؛ فإنّ البائع ضامنٌ للمبيع ممنوعٌ عن التصرّف فيه محرومٌ عن الثمن.

ومن هنا يمكن تعدية الحكم إلى كلِّ موردٍ يتحقّق فيه هذا الضرر ، وإن خرج عن مورد النصّ ، كما إذا كان المبيع ممّا يفسد في نصف يومٍ أو في يومين ، فيثبت فيه الخيار في زمانٍ يكون التأخير عنه ضرراً على البائع.

المراد من «اليوم»

لكن ظاهر النصّ يوهم خلاف ما ذكرنا ؛ لأنّ الموضوع فيه «ما يفسد من يومه» والحكم فيه بثبوت الخيار من أوّل الليل ، فيكون الخيار في أوّل أزمنة الفساد ، ومن المعلوم أنّ الخيار حينئذٍ لا يجدي للبائع شيئاً ، لكن المراد من «اليوم» : اليوم وليله ، فالمعنى : أنّه لا يبقى على صفة الصلاح أزيد من يوم بليلته (٢) ، فيكون المفسد له المبيت‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥٩ ، الباب ١١ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٢) في «ش» : «بليلة».

خيار ما يفسده المبيت

لا مجرّد دخول الليل ، فإذا فسخ البائع أوّل الليل أمكن له الانتفاع به وببدله ، ولأجل ذلك عبّر في الدروس عن هذا الخيار ب «خيار ما يفسده المبيت» وأنّه ثابتٌ عند دخول الليل (١) ، وفي معقد إجماع الغنية : أنّ على البائع الصبر يوماً (٢) ثمّ هو بالخيار (٣). وفي محكيّ الوسيلة : أنّ خيار الفواكه للبائع ، فإذا مرّ على المبيع يومٌ ولم يقبض المبتاع كان البائع بالخيار (٤). ونحوها عبارة جامع الشرائع (٥).

نعم ، عبارات جماعةٍ من الأصحاب لا يخلو عن اختلالٍ في التعبير ، لكن الإجماع على عدم الخيار للبائع في النهار يوجب تأويلها إلى ما يوافق الدروس. وأحسن تلك العبارات عبارة الصدوق في الفقيه التي أسندها في الوسائل إلى رواية زرارة ، قال : «العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطّيخ والفواكه يومٌ إلى الليل» (٦) فإنّ المراد بالعهدة عهدة البائع.

وقال في النهاية : وإذا باع الإنسان ما لا يصحّ عليه البقاء من الخُضَر وغيرها ولم يقبض المبتاع ولا قَبَض الثمن كان الخيار فيه يوماً ،

__________________

(١) الدروس ٣ : ٢٧٤ ، وفيه : «وهو ثابت للبائع عند انقضاء النهار».

(٢) في «ش» زيادة : «واحداً».

(٣) الغنية : ٢١٩.

(٤) الوسيلة : ٢٣٨.

(٥) الجامع للشرائع : ٢٤٧.

(٦) الفقيه ٣ : ٢٠٣ ، ذيل الحديث ٣٧٦٧ ، وراجع الوسائل ١٢ : ٣٥٩ ، الباب ١١ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

فإن جاء المبتاع بالثمن في ذلك اليوم ، وإلاّ فلا بيع له (١) ، انتهى. ونحوها عبارة السرائر (٢).

والظاهر أنّ المراد بالخيار اختيار المشتري في تأخير القبض والإقباض مع بقاء البيع على حاله من اللزوم.

وأمّا المتأخّرون ، فظاهر أكثرهم يوهم كون الليل غايةً للخيار ، وإن اختلفوا بين من عبّر بكون الخيار يوماً (٣) ومن عبّر بأنّ الخيار إلى الليل (٤). ولم يُعلم وجهٌ صحيحٌ لهذه التعبيرات مع وضوح المقصد إلاّ متابعة عبارة الشيخ في النهاية ، لكنّك عرفت أنّ المراد بالخيار فيه اختيار المشتري ، وأنّ له تأخير القبض والإقباض. وهذا الاستعمال في كلام المتأخّرين خلاف ما اصطلحوا عليه لفظ «الخيار» فلا يحسن المتابعة هنا في التعبير ، والأولى تعبير الدروس كما عرفت (٥).

شروط هذا الخيار

ثمّ الظاهر أنّ شروط هذا الخيار شروط خيار التأخير ؛ لأنّه فردٌ من أفراده ، كما هو صريح عنوان الغنية (٦) وغيرها (٧) ، فيشترط فيه جميع‌

__________________

(١) سقطت العبارة المذكورة من كتاب النهاية المطبوع مستقلا ، نعم وردت في المطبوع ضمن الجوامع الفقهيّة : ٣٣٦ ، والمطبوع مع نكت النهاية (للمحقّق الحلّي) ٢ : ١٤٢ ، ومحلّها باب الشرط في العقود من كتاب المتاجر.

(٢) السرائر ٢ : ٢٨٢.

(٣) مثل العلاّمة في التحرير ١ : ١٦٧.

(٤) كما في الجامع للشرائع : ٢٤٧ ، والقواعد ٢ : ٦٧ ، والإرشاد ١ : ٣٧٤.

(٥) في الصفحة السابقة.

(٦) الغنية : ٢١٩.

(٧) راجع الشرائع ٢ : ٢٣ ، والقواعد ٢ : ٦٧ ، والإرشاد ١ : ٣٧٤ وغيرها.

ما سبق من الشروط. نعم ، لا ينبغي التأمّل هنا في اختصاص الحكم بالمبيع (١) الشخصي أو ما في حكمه كالصاع من الصبرة ، وقد عرفت هناك (٢) أنّ التأمّل في الأدلّة والفتاوى يشرف (٣) على القطع بالاختصاص أيضاً.

وحكم الهلاك في اليوم هنا وفيما بعده حكم المبيع هناك في كونه من البائع في الحالين. ولازم القول الآخر هناك جريانه هنا ، كما صرّح به في الغنية حيث جعله قبل الليل من المشتري (٤).

المراد بـ «الفساد»

ثمّ إنّ المراد بالفساد في النصّ والفتوى ليس الفساد الحقيقي ؛ لأنّ موردهما هو الخُضَر والفواكه والبقول ، وهذه لا تضيع بالمبيت ولا تهلك ، بل المراد ما يشمل تغيّر العين نظير التغيّر الحادث في هذه الأُمور بسبب المبيت.

ولو لم يحدث في البيع إلاّ فوات السوق ، ففي إلحاقه بتغيّر العين وجهان : من كونه ضرراً ، ومن إمكان منع ذلك لكونه فوت نفعٍ لا ضرراً (٥).

__________________

(١) في «ش» : «بالبيع».

(٢) راجع الصفحة ٢٢٨.

(٣) في «ش» زيادة : «الفقيه».

(٤) الغنية : ٢١٩ ٢٢٠.

(٥) في «ق» : «لا دفع ضررٍ» ، وشطب عليها في «ف» ، وصحّحت في «ن» بما أثبتناه.