درس مکاسب - خیارات

جلسه ۹۰: خیار رویت ۲

 

واحدٍ منها.

ففي موضعٍ من التذكرة : يشترط في بيع خيار الرؤية وصف المبيع وصفاً يكفي في السلم عندنا. وعنه في موضعٍ آخر من التذكرة : أنّ شرط صحّة بيع الغائبة وصفها بما يرفع الجهالة عند علمائنا أجمع ، ويجب ذكر اللفظ الدالّ على الجنس. ثمّ ذكر أنّه يجب ذكر اللفظ الدالّ على التميّز ، وذلك بذكر جميع الصفات التي يختلف الأثمان باختلافها ويتطرّق الجهالة بترك بعضها (١) ، انتهى.

وفي جامع المقاصد : ضابط ذلك أنّ كلّ وصفٍ تتفاوت الرغبات بثبوته وانتفائه وتتفاوت به القيمة تفاوتاً ظاهراً لا يتسامح به يجب ذكره ، فلا بدّ من استقصاء أوصاف السلَم ، انتهى (٢).

توهّم التنافي بين بعض التعابير

وربما يتراءى التنافي بين اعتبار ما يختلف الثمن باختلافه وكفاية ذكر أوصاف السلم من جهة أنّه قد يتسامح في السلم [في (٣)] ذكر بعض الأوصاف ، لإفضائه إلى عزّة الوجود أو لتعذّر الاستقصاء على التحقيق. وهذا المانع مفقودٌ فيما نحن فيه.

قال في التذكرة في باب السلَم : لا يشترط وصف كلّ عضوٍ من الحيوان بأوصافه المقصودة وإن تفاوت به الغرض والقيمة ؛ لإفضائه إلى عزّة الوجود (٤) ، انتهى.

__________________

(١) راجع التذكرة ١ : ٤٦٧ و ٥٢٣.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٣٠١.

(٣) لم يرد في «ق».

(٤) التذكرة ١ : ٥٥٢.

وقال في السلم في الأحجار المتّخذة للبناء : إنّه يذكر نوعها ولونها ويصف عِظَمها ، فيقول : ما يحمل البعير منها اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً على سبيل التقريب دون التحقيق ، لتعذّر التحقيق (١).

دفع التنافي المذكور

ويمكن أن يقال : إنّ المراد ما يعتبر في السلَم في حدّ ذاته مع قطع النظر عن العذر الموجب للمسامحة في بعض أفراد السلَم ، وإن كان يمكن أن يورد على مسامحتهم هناك : أنّ الاستقصاء في الأوصاف شرطٌ في السلم غير مقيّدٍ بحال التمكّن ، فتعذّره يوجب فساد السلَم لا الحكم بعدم اشتراطه ، كما حكموا بعدم جواز السلم فيما لا يمكن ضبط أوصافه ، وتمام الكلام في محلّه.

إشكال عدم حصر الاوصاف التي يختلف الثمن من أجلها

ثمّ إنّ الأوصاف التي يختلف الثمن من أجلها غير محصورةٍ ، خصوصاً في العبيد والإماء ؛ فإنّ مراتبهم الكماليّة التي تختلف بها أثمانهم غير محصورة جدّاً ، والاقتصار على ما يرفع به معظم الغرر إحالةٌ على مجهول ، بل يوجب الاكتفاء على ما دون صفات السلم ؛ لانتفاء الغرر عرفاً بذلك ، مع أنّا علمنا أنّ الغرر العرفي أخصّ من الشرعي.

إشكال آخر في المقام

وكيف كان ، فالمسألة لا تخلو عن إشكالٍ. وأشكل من ذلك أنّ الظاهر أنّ الوصف يقوم مقام الرؤية المتحقّقة في بيع العين الحاضرة ، وعلى هذا فيجب أن يعتبر في الرؤية أن يحصل بها الاطّلاع على جميع الصفات المعتبرة في العين الغائبة ممّا يختلف الثمن باختلافه.

قال في التذكرة : يشترط رؤية ما هو مقصودٌ بالبيع كداخل‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٥٣.

الثوب ، فلو باع ثوباً مطويّاً أو عيناً حاضرةً لا يشاهد منها ما يختلف الثمن لأجله كان كبيع الغائب ، يبطل إن لم يوصف وصفاً يرفع الجهالة (١) ، انتهى.

وحاصل هذا الكلام اعتبار وقوع المشاهدة على ما يعتبر في صحّة السلم وبيع الغائب. ومن المعلوم من السيرة عدم اعتبار

الاطّلاع بالرؤية على جميع الصفات المعتبرة في السلَم وبيع العين الغائبة ، فإنّه قد لا يحصل الاطّلاع بالمشاهدة على سنّ الجارية ، بل ولا على نوعها ولا غيرها من الأُمور التي لا يعرفها إلاّ أهل المعرفة بها ، فضلاً عن مرتبة كمالها الإنساني المطلوبة في الجواري المبذول بإزائها الأموال ، ويبعد كلّ البعد التزام ذلك أو ما دون ذلك في المشاهدة ، بل يلزم من ذلك عدم صحّة شراء غير العارف بأوصاف المبيع الراجعة إلى نوعه أو صنفه أو شخصه ، بل هو بالنسبة إلى الأوصاف التي اعتبروها كالأعمى ، لا بدّ من مراجعته لبصيرٍ عارفٍ بها.

الجواب عن الاشكالين المتقدّمين

ولا أجد في المسألة أوثق من أن يقال : إنّ المعتبر هو الغرر العرفي في العين الحاضرة والغائبة الموصوفة ، فإن دلّ على اعتبار أزيد من ذلك حجّةٌ معتبرةٌ أُخذ به.

وليس فيما ادّعاه العلاّمة في التذكرة من الإجماع حجّةٌ ، مع استناده في ذلك إلى كونه غرراً عرفاً ، حيث قال في أوّل مسألة اشتراط العلم بالعوضين : أنّه أجمع علماؤنا على اشتراط العلم بالعوضين ليعرف ما الذي مَلِكَ بإزاء ما بذل فينتفي الغرر ، فلا يصحّ بيع العين الغائبة ما لم يتقدّم‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٤٦٧.