درس مکاسب - خیارات

جلسه ۹۲: خیار رویت

 

وكيف كان ، فلا غرر عرفاً في بيع العين الغائبة مع اعتبار الصفات الرافعة للجهالة ، ولا دليل شرعاً أيضاً على المنع من حيث عدم العلم بوجود تلك الصفات ، فيتعيّن الحكم بجوازه ؛ مضافاً إلى الإجماع عليه ممّن عدا بعض العامّة (١).

المشهور هو الخيار بين الردّ والامساك مجّاناً

ثمّ إنّ الخيار بين الردّ والإمساك مجّاناً هو المشهور بين الأصحاب. وصريح السرائر : تخييره بين الردّ والإمساك بالأرش وأنّه لا يجبر على أحدهما (٢). ويضعّف بأنّه لا دليل على الأرش.

نعم لو كان للوصف المفقود دخلٌ في الصحّة توجّه أخذ الأرش ، لكن بخيار العيب ، لا خيار رؤية المبيع على خلاف ما وصفه ؛ إذ لولا الوصف ثبت خيار العيب أيضاً. وسيجي‌ء عدم اشتراط ذكر الأوصاف الراجعة إلى وصف الصحّة.

القول ببطلان البيع إذا وجد على خلاف ما وصف والمناقشة فيه

وأضعف من هذا ما ينسب إلى ظاهر المقنعة والنهاية والمراسم (٣) : من بطلان البيع إذا وجد على خلاف ما وصف. لكن الموجود في المقنعة والنهاية أنّه : «إن لم يكن على الوصف كان البيع مردوداً» ولا يبعد كون المراد بالمردود القابل للردّ ، لا الباطل فعلاً. وقد عبّر في النهاية عن خيار الغبن بذلك فقال : ولا بأس بأن يبيع الإنسان متاعاً بأكثر‌

__________________

(١) حكاه في التذكرة ١ : ٤٦٧ عن أحمد والشافعي في أحد الوجهين ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٥٨٦.

(٢) السرائر ٢ : ٢٤٢.

(٣) نسب إليها صريحاً في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٨٦ ، والجواهر ٢٣ : ٩٤. انظر المقنعة : ٥٩٤ ، والنهاية : ٣٩١ ، والمراسم : ١٨٠.

ممّا يسوي إذا كان المبتاع من أهل المعرفة ، فإن لم يكن كذلك كان البيع مردوداً (١).

وعلى تقدير وجود القول بالبطلان ، فلا يخفى ضعفه ؛ لعدم الدليل على البطلان بعد انعقاده صحيحاً ، عدا ما في مجمع البرهان ، وحاصله : وقوع العقد على شي‌ءٍ مغايرٍ للموجود ، فالمعقود عليه غير موجودٍ والموجود غير معقودٍ عليه (٢).

محلّ الكلام إنّما هو في تخلّف الاوصاف الخارجة عن الحقيقة

ويضعّف : بأنّ محلّ الكلام في تخلّف الأوصاف التي لا توجب مغايرة الموصوف للموجود عرفاً ، بأن يقال : إنّ المبيع فاقدٌ للأوصاف المأخوذة فيه ، لا أنّه مغايرٌ للموجود. نعم ، لو كان ظهور الخلاف فيما له دخلٌ في حقيقة المبيع عرفاً ، فالظاهر عدم الخلاف في البطلان ولو أُخذ في عبارة العقد على وجه الاشتراط كأن يقول : بعتك ما في البيت على أنّه عبدٌ حبشيٌّ فبان حماراً وحشيّاً.

إلاّ أن يقال : إنّ الموجود وإن لم يُعدّ مغايراً للمعقود عليه عرفاً ، إلاّ أنّ اشتراط اتّصافه بالأوصاف في معنى كون القصد إلى بيعه بانياً على تلك الأوصاف ، فإذا فُقد ما بُني عليه العقد ، فالمقصود غير حاصلٍ ، فينبغي بطلان البيع ؛ ولذا التزم أكثر المتأخّرين بفساد العقد بفساد شرطه (٣) ، فإنّ قصد الشرط إن كان مؤثّراً في المعقود عليه‌

__________________

(١) النهاية : ٣٩١.

(٢) مجمع الفائدة ٨ : ١٨٣.

(٣) منهم : العلاّمة في القواعد ٢ : ٩٣ ، والشهيد في الدروس ٣ : ٢١٤ ٢١٥ ، والشهيد الثاني في المسالك ٣ : ٢٧٣ ، وراجع تفصيل القائلين بالبطلان في مفتاح الكرامة ٤ : ٧٣٢.

فالواجب كون تخلّفه موجباً لبطلان العقد ، وإلاّ لم يوجب فساده فساد العقد ، بل غاية الأمر ثبوت الخيار.

ومن هنا يظهر : أنّ دفع ما ذكر (١) في وجه البطلان الذي جعله المحقّق الأردبيلي موافقاً للقاعدة (٢) ، واحتمله العلاّمة رحمه‌الله في النهاية (٣) فيما إذا ظهر ما رآه سابقاً على خلاف ما رآه ، بأنّه اشتباه ناشئٌ عن عدم الفرق بين الوصف المعيِّن للكلّيات والوصف المعيِّن في (٤) الشخصيات وبين الوصف الذاتي والعرضي ، وأنّ أقصى ما هناك كونه من باب تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى مجازفةٌ لا محصّل لها.

وأمّا كون الإشارة أقوى من الوصف عند التعارض ، فلو جرى فيما نحن فيه لم يكن اعتبارٌ بالوصف ، فينبغي لزوم العقد وإثبات الخيار من جهة كونه وصفاً لشخصٍ لا مشخّصاً لكلّيٍّ حتّى يتقوّم به ، وكونه عرضيّاً لا ذاتيّاً إعادةٌ للكلام السابق.

ويمكن أن يقال : إنّ المستفاد من النصوص والإجماعات في الموارد‌

__________________

(١) قال الشهيدي : «وأمّا الدافع ، ففي بعض الحواشي : أنّه صاحب الجواهر ، والظاهر أنّه اشتباه من المحشّي ؛ لأنّ الموجود فيه خالٍ عن قوله : " وإنّ أقصى ما هناك كونه من باب تعارض الإشارة والوصف" إلى أن قال : والظاهر أنّ الدافع هو الشيخ علي آل كاشف الغطاء قدس‌سره في محكيّ تعليقه على خيارات اللمعة ، فإنّه عين عبارته المحكيّة عنه» ، هداية الطالب : ٤٩٤ ، وراجع الجواهر ٢٣ : ٩٤ أيضاً.

(٢) مجمع الفائدة ٨ : ١٨٣.

(٣) نهاية الإحكام ٢ : ٥٠١.

(٤) في ظاهر «ق» بدل «في» : «من».

المتفرّقة عدم بطلان البيع بمخالفة الصفة المقصودة الغير المقوّمة للمبيع ، سواءً علم القصد إليها من الخارج أم اشترطت في العقد ، كالحكم بمضيّ العقد على المعيب مع عدم القصد إلاّ إلى الصحيح ، ومنه المصرّاة. وكالحكم في النصّ والفتوى بتبعّض (١) الصفقة إذا باع ما يملك وما لم يملك وغير ذلك ، فتأمّل (٢).

صعوبة تشخيص الوصف الداخل في الحقيقة والخارج عنها

نعم هنا إشكالٌ آخر من جهة تشخيص الوصف الداخل في الحقيقة عرفاً الموجب ظهور خلافه لبطلان البيع ، والخارج عنها الموجب ظهور خلافه للخيار ، فإنّ الظاهر دخول الذكورة والأُنوثة في المماليك في حقيقة المبيع لا في مثل الغنم ، وكذا الرومي والزنجي حقيقتان عرفاً ، وربما يتغاير الحقيقتان مع كونه فيما نحن فيه من قبيل الأوصاف ، كما إذا باعه الدهن أو الجبن أو اللبن على أنّه من الغنم فبان من الجاموس ، وكذا لو باعه خلّ الزبيب فبان من التمر. ويمكن إحالة اتّحاد الجنس ومغايرته على العرف وإن خالف ضابطة التغاير المذكورة في باب الربا ، فتأمّل.

__________________

(١) في «ش» : «بتبعيض».

(٢) في «ش» زيادة : «وسيجي‌ء بعض الكلام في مسألة الشرط الفاسد إن شاء الله» وراجع تفصيل المسألة في الجزء الثالث من المكاسب : ٥١٣ و ٥٣١.