درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶: موضوع علم اصول

 

على مسألة أو أكثر من مسائل هذا العلم.

* الحكم واقعيّ وظاهريّ. والدليل اجتهاديّ وفقاهتيّ (١)

ثمّ لا يخفى أنّ الحكم الشرعيّ ـ الذي جاء ذكره في التعريف السابق ـ على نحوين :

١. أن يكون ثابتا للشيء بما هو في نفسه فعل من الأفعال (٢) ، كالمثال المتقدّم أعنى وجوب الصلاة ، فالوجوب ثابت للصلاة بما هي صلاة في نفسها ، وفعل من الأفعال مع قطع النظر عن أيّ شيء آخر ؛ ويسمّى مثل هذا الحكم : «الحكم الواقعيّ» ، والدليل الدالّ عليه : «الدليل الاجتهاديّ».

٢. أن يكون ثابتا للشىء بما أنّه مجهول حكمه الواقعيّ ، كما إذا اختلف الفقهاء في حرمة النظر إلى الأجنبيّة أو وجوب الإقامة للصلاة. فعند عدم قيام الدليل على أحد الأقوال لدى الفقيه يشكّ في الحكم الواقعيّ الأوليّ المختلف فيه ، ولأجل ألاّ يبقى في محلّ العمل (٣) متحيّرا لا بدّ له من وجود حكم آخر ولو كان عقليّا ، كوجوب الاحتياط أو البراءة أو عدم الاعتناء بالشكّ (٤) ؛ ويسمّى مثل هذا الحكم الثانويّ : «الحكم الظاهريّ» ، والدليل الدالّ عليه : «الدليل الفقاهتيّ» أو «الأصل العمليّ».

ومباحث الأصول منها ما يتكفّل للبحث عمّا تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الواقعيّ ، ومنها ما يقع في طريق الحكم الظاهريّ. ويجمع الكلّ «وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ» على ما ذكرناه في التعريف.

* موضوع علم الأصول

إنّ هذا العلم غير متكفّل للبحث عن موضوع خاصّ ، بل يبحث عن موضوعات شتّى

__________________

(١) قال الشيخ الأنصاري قدس‌سره : «وهذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهانيّ لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه والاجتهاد» راجع فرائد الأصول ١ : ٣٠٩.

(٢) أي لا بما هو فعل مشكوك حكمه الواقعيّ.

(٣) وفي «س» : مقام العمل.

(٤) أي الاستصحاب العقلي.

تشترك كلّها في غرضنا المهمّ منه ، وهو استنباط الحكم الشرعيّ ، فلا وجه لجعل موضوع هذا العلم خصوص (الأدلّة الأربعة) فقط (١) ، وهي : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، أو بإضافة الاستصحاب ، أو بإضافة القياس والاستحسان ، كما صنع المتقدّمون (٢).

ولا حاجة إلى الالتزام بأنّ العلم لا بدّ له من موضوع يبحث عن عوارضه الذاتيّة في ذلك العلم ـ كما تسالمت عليه كلمة المنطقيّين (٣) ـ فإنّ هذا لا ملزم له ولا دليل عليه (٤).

* فائدته

إنّ كلّ متشرّع يعلم أنّه ما من فعل من أفعال الإنسان الاختياريّة إلاّ وله حكم في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة من وجوب أو حرمة أو نحوهما من الأحكام الخمسة. ويعلم أيضا أنّ تلك الأحكام ليست كلّها معلومة لكلّ أحد بالعلم الضروريّ ، بل يحتاج أكثرها لإثباتها إلى إعمال النظر وإقامة الدليل ، أي إنّها من العلوم النظريّة.

وعلم الأصول هو العلم الوحيد المدوّن للاستعانة به على الاستدلال على إثبات الأحكام الشرعيّة ؛ ففائدته إذن الاستعانة على الاستدلال للأحكام من أدلّتها.

* تقسيم أبحاثه

تنقسم مباحث هذا العلم إلى أربعة أقسام (٥) :

__________________

(١) هو ما اختاره في قوانين الأصول ١ : ٩.

(٢) ومراده من المتقدّمين هو بعض العامّة ، فإنّ بعضهم فسّروا أصول الفقه بـ «أدلّة الفقه». والأدلّة عند بعضهم هي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والاستدلال كما في الإحكام (للآمدي) ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧. وعند بعض آخر منهم هي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والاستصحاب كما في اللمع : ٦.

(٣) شرح الشمسية : ١٤ ؛ حاشية ملاّ عبد الله : ٢٠٩ ؛ الأسفار ١ : ٣٠. والتزم بذلك بعض الأصوليّين ، فراجع الفصول الغرويّة : ١٠ ؛ كفاية الأصول : ٢١.

(٤) أي لا دليل على الوجوب ولا على الوقوع.

(٥) وهذا التقسيم حديث تنبّه له شيخنا العظيم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ قدس‌سره المتوفّى سنة ١٣٦١ (ه. ق) ،