درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲: اقسام وضع ۲

 

٤. أقسام الوضع

لا بدّ في الوضع من تصوّر اللفظ والمعنى ؛ لأنّ الوضع حكم على المعنى وعلى اللفظ ، ولا يصحّ الحكم على الشيء إلاّ بعد تصوّره ومعرفته بوجه من الوجوه ولو على نحو الإجمال ؛ لأنّ تصوّر الشيء قد يكون بنفسه ، وقد يكون بوجهه ـ أي بتصوّر عنوان عامّ ينطبق عليه ويشار به إليه ؛ إذ يكون ذلك العنوان العامّ مرآة وكاشفا عنه ، كما إذا حكمت على شبح من بعيد «أنّه أبيض» ـ مثلا ـ وأنت لا تعرفه بنفسه أنّه أيّ شيء هو ، وأكثر ما تعرف عنه ـ مثلا ـ أنّه شيء من الأشياء أو حيوان من الحيوانات ، فقد صحّ حكمك عليه بأنّه أبيض مع أنّك لم تعرفه ولم تتصوّره بنفسه وإنّما تصوّرته بعنوان أنّه شيء أو حيوان ، لا أكثر ، وأشرت به إليه ، وهذا ما يسمّى في عرفهم : «تصوّر الشيء بوجهه» ـ ، وهو كاف لصحّة الحكم على الشيء. وهذا بخلاف المجهول محضا ؛ فإنّه لا يمكن الحكم عليه أبدا.

وعلى هذا ، فإنّه يكفينا في صحّة الوضع للمعنى أن نتصوّره بوجهه ، كما لو كنّا تصوّرناه بنفسه.

ولمّا عرفنا أنّ المعنى لا بدّ من تصوّره ، وأنّ تصوّره على نحوين ، فانّه بهذا الاعتبار وباعتبار ثان هو أنّ المعنى قد يكون خاصّا ـ أي جزئيّا ـ وقد يكون عامّا ـ أي كلّيّا ـ نقول : إنّ الوضع ينقسم إلى أربعة أقسام عقليّة :

١. أن يكون المعنى المتصوّر جزئيّا ، والموضوع له نفس ذلك الجزئيّ ـ أي إنّ الموضوع له معنى متصوّر بنفسه لا بوجهه ـ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع خاصّ والموضوع له خاصّ (١)».

٢. أن يكون المتصوّر كلّيّا ، والموضوع له نفس ذلك الكلّي ـ أي إنّ الموضوع له كلّيّ

__________________

ـ وتخصيصه به. وذلك لأنّه ليس في الوضع التعيّني جعل ولا تخصيص ، بل فيه اختصاص اللفظ بالمعنى الحاصل من كثرة الاستعمال.

وناقش في هذا التقسيم الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ٥٧ ، كما تعرّض للمناقشة فيه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ٢٩.

(١) الجملة الاسميّة في محلّ المنصوب الثاني ليسمّى.

متصوّر بنفسه لا بوجهه ـ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع عامّ والموضوع له عامّ».

٣. أن يكون المتصوّر كلّيّا ، والموضوع له أفراد الكلّيّ لا نفسه ـ أي إنّ الموضوع له جزئيّ غير متصوّر بنفسه بل بوجهه ـ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع عامّ والموضوع له خاصّ».

٤. أن يكون المتصوّر جزئيّا ، والموضوع له كلّيّا لذلك الجزئيّ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع خاصّ والموضوع له عامّ».

إذا عرفت هذه الأقسام المتصوّرة العقليّة ، فنقول : لا نزاع في إمكان الأقسام الثلاثة الأولى ، كما لا نزاع في وقوع القسمين الأوّلين. ومثال الأوّل : الأعلام الشخصيّة ، كمحمّد وعلي وجعفر ؛ ومثال الثاني : أسماء الأجناس ، كماء وسماء ونجم وإنسان وحيوان.

وإنّما النزاع وقع في أمرين : الأوّل : في إمكان القسم الرابع. والثاني : في وقوع الثالث بعد التسليم بإمكانه. والصحيح عندنا استحالة الرابع ووقوع الثالث ، ومثاله : الحروف وأسماء الإشارة والضمائر والاستفهام ونحوها على ما سيأتي (١).

٥. استحالة القسم الرابع

أمّا استحالة الرابع ـ وهو الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ ـ فنقول في بيانها : إنّ النزاع في إمكان ذلك ناشئ من النزاع في إمكان أن يكون الخاصّ وجها وعنوانا للعامّ ، وذلك لما تقدّم أنّ المعنى الموضوع له لا بدّ من تصوّره بنفسه أو بوجهه ؛ لاستحالة الحكم على المجهول ، والمفروض في هذا القسم أنّ المعنى الموضوع له لم يكن متصوّرا ، وإنّما تصوّر الخاصّ فقط ، وإلاّ لو كان متصوّرا بنفسه ولو بسبب تصوّر الخاصّ ، كان من القسم الثاني ، وهو الوضع العامّ والموضوع له العامّ ، ولا كلام في إمكانه بل في وقوعه كما تقدّم.

فلا بدّ حينئذ للقول بإمكان القسم الرابع من أن نفرض أنّ الخاصّ يصحّ أن يكون وجها من وجوه العامّ ، وجهة من جهاته حتى يكون تصوّره كافيا عن تصوّر العامّ بنفسه ، ومغنيا عنه ؛ لأجل أن يكون تصوّرا للعامّ بوجه.

__________________

(١) يأتي في الأمر السادس من المقدّمة.