درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹: وقوع قسم سوم و تحقیق معنای حروف ۵

 

ـ مثلا ـ الذي هو من جنس العرض ؛ فإنّ كلاّ منهما موجود في نفسه. والفرق أنّ الجوهر موجود في نفسه لنفسه ، والعرض موجود في نفسه لغيره.

الثاني : ما يكون موجودا لا في نفسه ، كنسبة القيام إلى زيد.

والدليل على كون هذا المعنى لا في نفسه أنّه لو كان للنسب والروابط وجودات استقلاليّة للزم وجود الرابط بينها وبين موضوعاتها ، فننقل الكلام إلى ذلك الرابط ، والمفروض أنّه موجود مستقلّ ، فلا بدّ له من رابط أيضا ... وهكذا ننقل الكلام إلى هذا الرابط ، فيلزم التسلسل ، والتسلسل باطل.

فيعلم من ذلك أنّ وجود الروابط والنسب في حدّ ذاته متعلّق بالغير ، ولا حقيقة له إلاّ التعلّق بالطرفين.

ثمّ إنّ الإنسان في مقام إفادة مقاصده كما يحتاج إلى التعبير عن المعاني المستقلّة كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني غير المستقلّة في ذاتها ، فحكمة الوضع تقتضي أن توضع بإزاء كلّ من القسمين ألفاظ خاصّة ، والموضوع بإزاء المعاني المستقلّة هي الأسماء ، والموضوع بإزاء المعاني غير المستقلّة هي الحروف وما يلحق بها. وهذه المعاني غير المستقلّة لمّا كانت على أقسام شتّى فقد وضع بإزاء كلّ قسم لفظ يدلّ عليه ، أو هيئة لفظيّة تدلّ عليه ؛ مثلا إذا قيل : «نزحت البئر في دارنا بالدلو» ففيه عدّة نسب مختلفة ومعان غير مستقلّة :

إحداها : نسبة النزح إلى فاعله ، والدالّ عليها هيئة الفعل المعلوم.

وثانيتها : نسبته إلى ما وقع عليه ـ أي مفعوله ـ وهو البئر ، والدالّ عليها هيئة النصب في الكلمة.

وثالثتها : نسبته إلى المكان ، والدالّ عليها كلمة «في».

ورابعتها : نسبته إلى الآلة ، والدالّ عليها لفظ الباء في كلمة «بالدلو».

ومن هنا يعلم أنّ الدالّ على المعاني غير المستقلّة ربما يكون لفظا مستقلا ، كلفظة «من» و «إلى» و «في» ، وربما يكون هيئة في اللفظ ، كهيئات المشتقّات ، والأفعال ، وهيئات الإعراب.

* النتيجة

فقد تحقّق ممّا بيّنّاه أنّ الحروف لها معان تدلّ عليها ، كالأسماء ، والفرق أنّ المعاني الاسميّة مستقلّة في أنفسها ، وقابلة لتصوّرها في ذاتها ، وإن كانت في الوجود الخارجيّ محتاجة إلى غيرها كالأعراض ، وأمّا المعاني الحرفيّة فهي معان غير مستقلّة وغير قابلة للتصوّر إلاّ في ضمن مفهوم آخر. ومن هنا يشبّه كلّ أمر غير مستقلّ بالمعنى الحرفيّ.

* بطلان القولين الأوّلين

وعلى هذا ، فيظهر بطلان القول الثاني القائل : إنّ الحروف لا معاني لها ، وكذلك القول الأوّل القائل : إنّ المعنى الحرفيّ والاسميّ متّحدان بالذات ، مختلفان باللحاظ.

ويردّ هذا القول أيضا أنّه لو صحّ اتّحاد المعنيين لجاز استعمال كلّ من الحرف والاسم في موضع الآخر ، مع أنّه لا يصحّ بالبداهة حتى على نحو المجاز ، فلا يصحّ بدل قولنا : «زيد في الدار» ـ مثلا ـ أن يقال : «زيد ، الظرفيّة ، الدار».

وقد أجيب عن هذا الإيراد (١) بأنّه إنّما لا يصحّ [استعمال] أحدهما في موضع الآخر ؛ لأنّ الواضع اشترط ألاّ يستعمل لفظ «الظرفيّة» إلاّ عند لحاظ معناه مستقلاّ ، ولا يستعمل لفظ «في» إلاّ عند لحاظ معناه غير مستقلّ ، وآلة لغيره (٢).

ولكنّه جواب غير صحيح ؛ لأنّه لا دليل على وجوب اتّباع ما يشترطه الواضع إذا لم يكن اشتراطه يوجب اعتبار خصوصيّة في اللفظ والمعنى ؛ وعلى تقدير أن يكون الواضع ممّن تجب طاعته فمخالفته توجب العصيان لا غلط الكلام (٣).

__________________

(١) والمجيب هو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٧.

(٢) بين المحقّقين النائينيّ والعراقيّ رحمه‌الله في تفسير كلام المحقّق الخراسانيّ اختلاف. وما في المتن موافق لتفسير النائينيّ رحمه‌الله. والحقّ هو ما ذكره العراقيّ رحمه‌الله. راجع فوائد الأصول ١ : ٣٣ ، نهاية الأفكار ١ : ٤٤ ـ ٤٥.

(٣) واعلم أنّ إيراد المصنّف لا يرد على ما هو الحقّ من تفسير المحقّق العراقيّ رحمه‌الله.