درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۵: دلالت تابع اراده است ۱

 

٧. الاستعمال حقيقيّ ومجازيّ

استعمال اللفظ في معناه الموضوع له «حقيقة» ، واستعماله في غيره المناسب له «مجاز» ، وفي غير المناسب «غلط» ، وهذا أمر محلّ وفاق.

ولكنّه وقع الخلاف في الاستعمال المجازيّ في أنّ صحّته هل هي متوقّفة على ترخيص الواضع وملاحظة العلاقات المذكورة في علم البيان (١) ، أو أنّ صحّته طبعيّة تابعة لاستحسان الذوق السليم فكلّما كان المعنى غير الموضوع له مناسبا للمعنى الموضوع له واستحسنه الطبع ، صحّ استعمال اللفظ فيه وإلاّ فلا؟

والأرجح القول الثاني (٢) ؛ لأنّا نجد صحّة استعمال «الأسد» في «الرجل الشجاع» مجازا ، وإن منع منه الواضع ، وعدم صحّة استعماله مجازا في «كريه رائحة الفم» ـ كما يمثّلون ـ وإن رخّص الواضع. ومؤيّد ذلك اتّفاق اللغات المختلفة غالبا في المعاني المجازيّة ، فترى في كلّ لغة يعبّر عن الرجل الشجاع باللفظ الموضوع للأسد. وهكذا في كثير من المجازات الشائعة عند البشر.

٨. الدلالة تابعة للإرادة

قسّموا الدلالة إلى قسمين : التصوّريّة ، والتصديقيّة :

١. التصوّريّة : وهي أن ينتقل ذهن الإنسان إلى معنى اللفظ بمجرّد صدوره من لافظ ، ولو علم أنّ اللافظ لم يقصده ، كانتقال الذهن إلى المعنى الحقيقيّ عند استعمال اللفظ في معنى مجازيّ ، مع أنّ المعنى الحقيقيّ ليس مقصودا للمتكلّم ، وكانتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ الصادر من الساهي أو النائم أو الغالط.

٢. التصديقيّة : وهي دلالة اللفظ على أنّ المعنى مراد للمتكلّم في اللفظ وقاصد لاستعماله فيه. وهذه الدلالة متوقّفة على عدّة أشياء : أوّلا : على إحراز كون المتكلّم في

__________________

(١) المطوّل : ٢٨٤ ـ ٢٨٦ ، مختصر المعاني : ١٥٥ ـ ١٥٧.

(٢) وهو ما اختاره في الكفاية : ٢٨. والقول الأوّل منسوب إلى المشهور كما في المحاضرات ١ : ٩٢.

مقام البيان والإفادة ، وثانيا : على إحراز أنّه جادّ غير هازل ، وثالثا : على إحراز أنّه قاصد لمعنى كلامه شاعر به ، ورابعا : على عدم نصب قرينة على إرادة خلاف الموضوع له ، وإلاّ كانت الدلالة التصديقيّة على طبق القرينة المنصوبة.

والمعروف أنّ الدلالة الأولى (التصوّريّة) معلولة للوضع ـ أي أنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصوّريّة ـ. وهذا هو مراد من يقول : «إنّ الدلالة غير تابعة للإرادة ، بل تابعة لعلم السامع بالوضع» (١).

والحقّ أنّ الدلالة تابعة للإرادة ـ وأوّل من تنبّه لذلك فيما نعلم ، الشيخ نصير الدين الطوسيّ قدس‌سره (٢) ـ ؛ لأنّ الدلالة في الحقيقة منحصرة في الدلالة التصديقيّة ، والدلالة التصوّريّة التي يسمّونها دلالة ليست بدلالة ، وإن سمّيت كذلك فإنّه من باب التشبيه والتجوّز ؛ لأنّ التصوّريّة في الحقيقة هي من باب تداعي المعاني الذي يحصل بأدنى مناسبة ، فتقسيم الدلالة إلى تصديقيّة وتصوّريّة تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره.

والسرّ في ذلك أنّ الدلالة حقيقة ـ كما فسّرناها في كتاب المنطق ، الجزء الأوّل بحث الدلالة (٣) ـ هي أن يكشف الدالّ عن وجود المدلول ، فيحصل من العلم به العلم بالمدلول ، سواء كان الدالّ لفظا أو غير لفظ ، مثلا إنّ طرقة الباب يقال : إنّها دالّة على وجود شخص على الباب ، طالب لأهل الدار ؛ باعتبار أنّ المطرقة موضوعة لهذه الغاية. وتحليل هذا المعنى أنّ سماع الطرقة يكشف عن وجود طالب قاصد للطلب ، فيحصل من العلم بالطرقة العلم بالطارق وقصده ، ولذلك يتحرّك السامع إلى إجابته. لا أنّه ينتقل ذهن السامع من

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٧ ـ ١٨.

(٢) شرح الإشارات ١ : ٣٢. ونسبه إليه العلاّمة الحلّي في الجوهر النضيد : ٨ ، وإن تنظّر فيه.

وقد ينسب إليه والشيخ الرئيس كما في الفصول الغرويّة : ١٧ ؛ وكفاية الأصول : ٣٢. والتحقيق أنّ نسبة هذا القول إلى الشيخ الرئيس غير ثابتة. وأمّا قوله في الفصل الثامن من المقالة الأولى من الفنّ الأوّل من منطق الشفاء ١ : ٤٢ : «لأنّ معنى دلالة اللفظ هو أن يكون اللفظ اسما لذلك المعنى على سبيل القصد الأوّل» فلا يشعر به.

(٣) المنطق ١ : ٣٦ و ٣٨.