درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۹: وضع مرکبات

 

٩. الوضع شخصيّ ونوعيّ

قد عرفت في المبحث الرابع (١) أنّه لا بدّ في الوضع من تصوّر اللفظ والمعنى ، وعرفت هناك أنّ المعنى تارة يتصوّره الواضع بنفسه ، وأخرى بوجهه وعنوانه ، فاعرف هنا أنّ اللفظ أيضا كذلك ، ربما يتصوّره الواضع بنفسه ويضعه للمعنى كما هو الغالب في الألفاظ ، فيسمّى الوضع حينئذ : «شخصيّا» (٢). وربما يتصوّره بوجهه وعنوانه ، فيسمّى الوضع : «نوعيّا».

ومثال الوضع النوعيّ الهيئات ؛ فإنّ الهيئة غير قابلة للتصوّر بنفسها ، بل إنّما يصحّ تصوّرها في مادّة من موادّ اللفظ ، كهيئة كلمة «ضرب» ـ مثلا ـ وهي هيئة الفعل الماضي ، فإنّ تصوّرها لا بدّ أن يكون في ضمن الضاد والراء والباء ، أو في ضمن الفاء والعين واللام في «فعل». ولمّا كانت الموادّ غير محصورة ولا يمكن تصوّر جميعها فلا بدّ من الإشارة إلى أفرادها بعنوان عامّ (٣) ، فيضع كلّ هيئة تكون على زنة «فعل» ـ مثلا ـ أو زنة «فاعل» أو غيرهما ، ويتوصّل إلى تصوّر ذلك العامّ بوجود الهيئة في إحدى الموادّ ، كمادّة «فعل» التي جرت الاصطلاحات عليها عند علماء العربيّة.

١٠. وضع المركّبات

ثمّ الهيئة الموضوعة لمعنى ، تارة تكون في المفردات ، كهيئات المشتقّات التي تقدّمت الإشارة إليها ، وأخرى في المركّبات ، كالهيئة التركيبيّة بين المبتدأ والخبر لإفادة حمل شيء ، على شيء ، وكهيئة تقديم ما حقّه التأخير لإفادة الاختصاص.

ومن هنا تعرف أنّه لا حاجة إلى وضع الجمل والمركّبات في إفادة معانيها زائدا على

__________________

(١) راجع الصفحة : ٢٧.

(٢) والمراد بالوضع الشخصيّ وضع اللفظ بوحدته الطبيعيّة وشخصيّته الذاتيّة ، لا وضع شخص اللفظ الصادر من المتكلّم ، فإنّه قد انقضى وانعدم ولا يمكن إعادته.

(٣) أي بوضع عنوان عامّ وتصوّره.

وضع المفردات بالوضع الشخصيّ والهيئات بالوضع النوعيّ ـ كما قيل (١) ـ بل هو لغو محض. ولعلّ من ذهب إلى وضعها أراد به وضع الهيئات التركيبيّة ، لا الجملة بأسرها بموادّها وهيئاتها زيادة على وضع أجزائها ، فيعود النزاع حينئذ لفظيّا (٢).

١١. علامات الحقيقة والمجاز

قد يعلم الإنسان ـ إمّا من طريق نصّ أهل اللغة أو لكونه نفسه من أهل اللغة ـ أنّ لفظ كذا موضوع لمعنى كذا ، ولا كلام لأحد في ذلك ؛ فإنّه من الواضح أنّ استعمال اللفظ في ذلك المعنى حقيقة وفي غيره مجاز.

وقد يشكّ في وضع لفظ مخصوص لمعنى مخصوص ، فلا يعلم أنّ استعماله فيه هل كان على سبيل الحقيقة فلا يحتاج إلى نصب قرينة عليه أو على سبيل المجاز ، فيحتاج إلى نصب القرينة؟ وقد ذكر الأصوليّون لتعيين الحقيقة من المجاز ـ أي لتعيين أنّه موضوع لذلك المعنى أو غير موضوع ـ طرقا وعلامات كثيرة نذكر هنا أهمّها.

العلامة الأولى : التبادر

دلالة كلّ لفظ على أيّ معنى لا بدّ لها من سبب. والسبب لا يخلو فرضه عن أحد أمور ثلاثة : المناسبة الذاتيّة ، وقد عرفت بطلانها ، أو العلقة الوضعيّة ، أو القرينة الحاليّة أو المقاليّة. فإذا علم أنّ الدلالة مستندة إلى نفس اللفظ من غير اعتماد على قرينة فإنّه يثبت أنّها من جهة العلقة الوضعيّة. وهذا هو المراد بقولهم : «التبادر علامة الحقيقة». والمقصود من كلمة «التبادر» هو انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّدا عن كلّ قرينة.

وقد يعترض على ذلك بأنّ التبادر لا بدّ له من سبب ، وليس هو إلاّ العلم بالوضع ؛ لأنّ

__________________

(١) والقائل كثير من الأصوليّين. منهم : صاحب الفصول ، والمحقّق الخراسانيّ ، والمحقّق العراقيّ. فراجع الفصول الغرويّة : ٢٨ ؛ كفاية الأصول : ٣٢ ؛ نهاية الأفكار ١ : ٦٥.

(٢) هكذا وجّه المحقّق الخراسانيّ العبارات الموهمة للحاجة إلى وضع الجمل والمركّبات زائدا على وضع المفردات والهيئات. راجع كفاية الأصول : ٣٣.