درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۳۱: علامت‌های حقیقت و مجاز ۲

 

من الواضح أنّ الانسباق لا يحصل من اللفظ إلى معناه ـ في أيّة لغة ـ لغير العالم بتلك اللغة ، فيتوقّف التبادر على العلم بالوضع ، فلو أردنا إثبات الحقيقة وتحصيل العلم بالوضع بسبب التبادر ، لزم الدور المحال ، فلا يعقل ـ على هذا ـ أن يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع ، والمفروض أنّه مستفاد من العلم بالوضع.

والجواب : أنّ كلّ فرد من أيّة أمّة يعيش معها لا بدّ أن يستعمل الألفاظ المتداولة عندها تبعا لها ، ولا بدّ أن يرتكز في ذهنه معنى اللفظ ارتكازا يستوجب انسباق ذهنه إلى المعنى عند سماع اللفظ ، وقد يكون ذلك الارتكاز من دون التفات تفصيليّ إليه وإلى خصوصيّات المعنى ، فإذا أراد الإنسان معرفة المعنى وتلك الخصوصيّات وتوجّهت نفسه إليه فإنّه يفتّش عمّا هو مرتكز في نفسه من المعنى ، فينظر إليه مستقلاّ عن القرينة ، فيرى أنّ المتبادر من اللفظ الخاصّ ما هو من معناه الارتكازيّ ، فيعرف أنّه حقيقة فيه.

فالعلم بالوضع لمعنى خاصّ بخصوصيّاته التفصيليّة ـ أي الالتفات التفصيليّ إلى الوضع والتوجّه إليه ـ يتوقّف على التبادر ، والتبادر إنّما هو موقوف على العلم الارتكازيّ بوضع اللفظ لمعناه غير الملتفت إليه.

والحاصل أنّ هناك علمين : أحدهما يتوقّف على التبادر وهو العلم التفصيليّ ، والآخر يتوقّف التبادر عليه وهو العلم الإجماليّ الارتكازيّ (١).

هذا الجواب بالقياس إلى العالم بالوضع ، وأمّا بالقياس إلى غير العالم به فلا يعقل حصول التبادر عنده ؛ لفرض جهله باللغة. نعم ، يكون التبادر أمارة على الحقيقة عنده إذا شاهد التبادر عند أهل اللغة ، يعني أنّ الأمارة عنده تبادر غيره من أهل اللغة. مثلا إذا شاهد الأعجميّ من أصحاب اللغة العربيّة انسباق أذهانهم من لفظ «الماء» المجرّد عن القرينة إلى الجسم السائل البارد بالطبع فلا بدّ أن يحصل له العلم بأنّ هذا اللفظ موضوع

__________________

(١) قيّده بالارتكازيّ ؛ لأنّ العلم الإجماليّ قد يطلق ويراد به ما كان متعلّقه مردّدا بين أمرين فصاعدا ، قبال العلم التفصيليّ بأمر معيّن ، وقد يطلق ويراد به ما يكون مرتكزا ومكنونا في خزانة النفس من دون التفات تفصيليّ إليه ، وهذا هو المراد في المقام.

لهذا المعنى عندهم. وعليه فلا دور هنا ؛ لأنّ علمه يتوقّف على التبادر ، والتبادر يتوقّف على علم غيره.

العلامة الثانية : عدم صحّة السلب وصحّته ، وصحّة الحمل وعدمها

ذكروا : أنّ عدم صحّة سلب اللفظ عن المعنى الذي يشكّ في وضعه له علامة أنّه حقيقة فيه ، وأنّ صحّة السلب علامة على أنّه مجاز فيه.

وذكروا أيضا : أنّ صحّة حمل اللفظ على ما يشكّ في وضعه له علامة الحقيقة ، وعدم صحّة الحمل علامة على المجاز.

وهذا ما يحتاج إلى تفصيل وبيان ، فلتحقيق الحمل وعدمه والسلب وعدمه نسلك الطرق الآتية :

١. نجعل المعنى الذي يشكّ في وضع اللفظ له «موضوعا» ، ونعبّر عنه بأيّ لفظ كان يدلّ عليه.

ثمّ نجعل اللفظ المشكوك في وضعه لذلك المعنى «محمولا» بما له من المعنى الارتكازيّ.

ثمّ نجرّب أن نحمل بالحمل الأوّلي اللفظ بما له من المعنى المرتكز في الذهن على ذلك اللفظ الدالّ على المعنى المشكوك وضع اللفظ له. والحمل الأوّلي ملاكه الاتّحاد في المفهوم والتغاير بالاعتبار (١) ، وحينئذ إذا أجرينا هذه التجربة فإن وجدنا عند أنفسنا صحّة الحمل وعدم صحّة السلب علمنا تفصيلا بأنّ اللفظ موضوع لذلك المعنى ، وإن وجدنا عدم صحّة الحمل وصحّة السلب علمنا أنّه ليس موضوعا لذلك المعنى ، بل يكون استعماله فيه مجازا.

٢. إذا لم يصحّ عندنا الحمل الأوّلي نجرّب أن نحمله هذه المرّة بالحمل الشائع الصناعيّ (٢)

__________________

(١) وقد شرحنا الحمل وأقسامه في الجزء الأوّل من المنطق : ٩٣ ـ ٩٧. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) يسمّي هذا الحمل بالشائع ؛ لأجل شيوعه بين عامّة الناس ، وبالصناعيّ ؛ لأجل استعماله في صناعات العلوم.