درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۴۶: حقیقت شرعیه ۳

 

تجرّدت عن القرائن في روايات الأئمّة عليهم‌السلام.

نعم ، كونها حقيقة فيها في خصوص زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله غير معلوم ، وإن كان غير بعيد ، بل من المظنون ذلك ، ولكن الظنّ في هذا الباب لا يغني من الحقّ شيئا ، غير أنّه لا أثر لهذا الجهل ، نظرا إلى أنّ السنّة النبويّة غير مبتلى بها إلاّ ما نقل لنا من طريق آل البيت عليهم‌السلام على لسانهم ، وقد عرفت الحال في كلماتهم أنّه لا بدّ من حملها على المعاني المستحدثة.

وأمّا القرآن المجيد : فأغلب ما ورد فيه من هذه الألفاظ أو كلّه محفوف بالقرائن المعيّنة لإرادة المعنى الشرعيّ ، فلا فائدة مهمّة في هذا النزاع بالنسبة إليه. على أنّ الألفاظ الشرعيّة ليست على نسق واحد ؛ فإنّ بعضها كثير التداول ، كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ ، لا سيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات ، فمن البعيد جدّا ألاّ تصبح حقائق في معانيها المستحدثة بأقرب وقت في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الصحيح والأعمّ

من ملحقات المسألة السابقة مسألة «الصحيح والأعمّ». فقد وقع النزاع في أنّ ألفاظ العبادات أو المعاملات أهي أسام موضوعة للمعاني الصحيحة أو للأعمّ منها ومن الفاسدة؟

وقبل بيان المختار لا بدّ من تقديم مقدّمات :

الأولى : أنّ هذا النزاع لا يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعيّة (١) ؛ لأنّه قد عرفت أنّ هذه الألفاظ مستعملة في لسان المتشرّعة بنحو الحقيقة ولو على نحو الوضع التعيّني عندهم.

ولا ريب أنّ استعمالهم كان يتبع الاستعمال في لسان الشارع ، سواء كان استعماله على نحو الحقيقة أو المجاز.

فإذا عرفنا ـ مثلا ـ أنّ هذه الألفاظ في عرف المتشرّعة كانت حقيقة في خصوص الصحيح يستكشف منه أنّ المستعمل فيه في لسان الشارع هو الصحيح أيضا ، مهما كان

__________________

(١) خلافا لصاحب الفصول ، فإنّه قال : «وهذا النزاع إنّما يتفرّع على القول بأنّ هذه الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها الشرعيّة». وتبعه المحقّق الخراسانيّ ، فقال : «لا شبهة في تأتّي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة». الفصول الغرويّة : ٤٦ ؛ كفاية الأصول : ٣٨.

استعماله عنده أحقيقة كان أم مجازا. كما أنّه لو علم أنّها كانت حقيقة في الأعمّ في عرفهم ، كان ذلك أمارة على كون المستعمل فيه في لسانه هو الأعمّ أيضا ، وإن كان استعماله على نحو المجاز.

الثانية : أنّ المراد من الصحيحة من العبادة أو المعاملة هي التي تمّت أجزاؤها وكملت شروطها. والصحيح إذن معناه تامّ الأجزاء والشرائط (١). فالنزاع يرجع هنا إلى أنّ الموضوع له خصوص تامّ الأجزاء والشرائط من العبادة أو المعاملة ، أو الأعمّ منه ومن الناقص؟

الثالثة : أنّ ثمرة النزاع هي صحّة رجوع القائل بالوضع للأعمّ ـ المسمّى ب : «الأعمّي» ـ إلى أصالة الإطلاق ، دون القائل بالوضع للصحيح ـ المسمّى ب : «الصحيحيّ» ـ فإنّه لا يصحّ له الرجوع إلى أصالة إطلاق اللفظ.

توضيح ذلك أنّ المولى إذا أمرنا بإيجاد شيء وشككنا في حصول امتثاله بالإتيان بمصداق خارجيّ فله صورتان يختلف الحكم فيهما :

١. أن يعلم صدق عنوان المأمور به على ذلك المصداق ، ولكن يحتمل دخل قيد زائد في غرض المولى غير متوفّر في ذلك المصداق ، كما إذا أمر المولى بعتق رقبة ، فإنّه يعلم بصدق عنوان المأمور به على [إعتاق] الرقبة الكافرة ، ولكن يشكّ في دخل وصف الإيمان في غرض المولى ، فيحتمل أن يكون قيدا للمأمور به.

فالقاعدة في مثل هذا الرجوع إلى أصالة الإطلاق في نفي اعتبار القيد المحتمل اعتباره ، فلا يجب تحصيله ، بل يجوز الاكتفاء في الامتثال بالمصداق المشكوك ، فيمتثل في المثال لو أعتق رقبة كافرة.

٢. أن يشكّ في صدق نفس عنوان المأمور به على ذلك المصداق الخارجيّ ، كما إذا أمر المولى بالتيمّم بالصعيد ولا ندري أنّ ما عدا التراب هل يسمّى صعيدا أو لا؟ فيكون شكّنا في صدق الصعيد على غير التراب. وفي مثله لا يصحّ الرجوع إلى أصالة الإطلاق لإدخال المصداق المشكوك في عنوان المأمور به ليكتفى به في مقام الامتثال ، بل لا بدّ من الرجوع

__________________

(١) قد عرّف الفقهاء «الصحّة» بما يوجب سقوط الإعادة والقضاء ؛ و «الفساد» بما لا يوجب سقوط الإعادة والقضاء. وعرّفهما المتكلّمون بما وافق الشريعة وعدمه.