درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۵۷: مشتق ۵

 

نائما أو غافلا. نعم ، يصحّ أن نتعقّل الانقضاء إذا زالت الملكة أو سلبت عنه الوظيفة ، وحينئذ يجري النزاع في أنّ وصف القاضي ـ مثلا ـ هل يصدق حقيقة على من زال عنه منصب القضاء؟

وكذلك الحال في مثل النجّار والخيّاط والمنشار ، فلا يتصوّر فيها الانقضاء إلاّ بزوال حرفة النجارة ، ومهنة الخياطة ، وشأنيّة النشر في المنشار.

والخلاصة : أنّ الزوال والانقضاء في كلّ شيء بحسبه ، والنزاع في المشتقّ إنّما هو في وضع الهيئات ، مع قطع النظر عن خصوصيات المبادئ المدلول عليها بالموادّ التي تختلف اختلافا كثيرا.

٤. استعمال المشتقّ بلحاظ حال التلبّس حقيقة

اعلم أنّ المشتقّات التي هي محلّ النزاع بأجمعها هي من الأسماء.

والأسماء مطلقا لا دلالة لها على الزمان حتّى اسم الفاعل واسم المفعول ، فإنّه كما يصدق العالم حقيقة على من هو عالم فعلا كذلك يصدق حقيقة على من كان عالما فيما مضى ، أو يكون عالما فيما يأتي ، بلا تجوّز إذا كان إطلاقه عليه بلحاظ حال التلبّس بالمبدإ ، كما إذا قلنا : «كان عالما» أو «سيكون عالما» ، فإنّ ذلك حقيقة بلا ريب ، نظير الجوامد لو تقول فيها ـ مثلا ـ : «الرماد كان خشبا» أو «الخشب سيكون رمادا». فإذن إذا كان الأمر كذلك فما موقع النزاع في إطلاق المشتقّ على ما مضى عليه التلبّس أنّه حقيقة أو مجاز؟

نقول : إنّ الإشكال والنزاع هنا إنّما هو فيما إذا انقضى التلبّس بالمبدإ وأريد إطلاق المشتقّ فعلا على الذات التي انقضى عنها التلبّس ، أي إنّ الإطلاق عليها بلحاظ حال النسبة والإسناد الذي هو حال النطق غالبا ، كأن تقول ـ مثلا ـ : «زيد عالم فعلا» ، أي إنّه الآن موصوف بأنّه عالم ؛ لأنّه كان فيما مضى عالما ، كمثال إثبات الكراهة للوضوء بالماء المسخن بالشمس سابقا بتعميم لفظ المسخن في الدليل لما كان مسخنا.

فتحصّل ممّا ذكرناه ثلاثة أمور :

١. إنّ إطلاق المشتقّ بلحاظ حال التلبّس حقيقة مطلقا ، سواء كان بالنظر إلى ما مضى

أو الحال أو المستقبل. وذلك بالاتّفاق.

٢. إنّ إطلاقه على الذات فعلا بلحاظ حال النسبة والإسناد قبل زمان التلبّس لأنّه سيتلبّس به فيما بعد مجاز بلا اشكال ، وذلك بعلاقة الأول أو المشارفة. وهذا متّفق عليه أيضا.

٣. إنّ إطلاقه على الذات فعلا ـ أي بلحاظ حال النسبة والإسناد ـ لأنّه كان متّصفا به سابقا هو محلّ الخلاف والنزاع ، فقال قوم بأنّه حقيقة ، وقال آخرون بأنّه مجاز.

المختار

إذا عرفت ما تقدّم من الأمور ، فنقول :

الحقّ أنّ المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ ، ومجاز في غيره.

ودليلنا : التبادر وصحّة السلب عمّن زال عنه الوصف ، فلا يقال لمن هو قاعد بالفعل : «إنّه قائم» ، ولا لمن هو جاهل بالفعل : «إنّه عالم». وذلك لمجرّد أنّه كان قائما أو عالما فيما سبق.

نعم ، يصحّ ذلك على نحو المجاز ، أو يقال : «إنّه كان قائما أو عالما» ، فيكون حقيقة حينئذ ؛ إذ يكون الإطلاق بلحاظ حال التلبّس.

وعدم تفرقة بعضهم (١) بين الإطلاق بلحاظ حال التلبّس وبين الإطلاق بلحاظ حال النسبة والإسناد هو الذي أوهم القول بوضع المشتقّ للأعمّ ؛ إذ وجد أنّ الاستعمال يكون على نحو الحقيقة فعلا مع أنّ التلبّس قد مضى ، ولكنّه غفل عن أنّ الإطلاق كان بلحاظ حال التلبّس ، فلم يستعمله ـ في الحقيقة ـ إلاّ في خصوص المتلبّس بالمبدإ ، لا فيما مضى عنه التلبّس حتّى يكون شاهدا له.

ثمّ إنّك عرفت ـ فيما سبق (٢) ـ أنّ زوال الوصف يختلف باختلاف الموادّ من جهة كون المبدأ أخذ على نحو الفعليّة أو على نحو الملكة أو الحرفة. فمثل صدق الطبيب حقيقة

__________________

(١) وهو من قال بوضع المشتقّ للأعمّ ، كالمحقّق الكركيّ والعلاّمة الحلّي وفخر المحقّقين كما مرّ.

(٢) راجع الصفحة : ٧٠.