درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۷۳: صیغه امر ۱۲

 

٢. أن يكون الأمر الثاني قبل امتثال الأمر الأوّل. وحينئذ يقع الشكّ في وجوب امتثاله مرّتين أو كفاية المرّة الواحدة في الامتثال. فإن كان الأمر الثاني تأسيسا لوجوب آخر تعيّن الامتثال مرّة بعد أخرى ، وإن كان تأكيدا للأمر الأوّل فليس لهما إلاّ امتثال واحد. ولتوضيح الحال وبيان الحقّ في المسألة نقول : إنّ هذا الفرض له أربع حالات :

الأولى : أن يكون الأمران معا غير معلّقين على شرط ، كأن يقول مثلا : «صلّ» ثمّ يقول ثانيا : «صلّ» ، فإنّ الظاهر حينئذ أن يحمل الأمر الثاني على التأكيد ؛ لأنّ الطبيعة الواحدة يستحيل تعلّق الأمرين بها من دون امتياز في البين ، فلو كان الثاني تأسيسا غير مؤكّد للأوّل لكان على الآمر تقييد متعلّقه ولو بنحو «مرّة أخرى». فمن عدم التقييد وظهور وحدة المتعلّق فيهما يكون اللفظ في الثاني ظاهرا في التأكيد ، وإن كان التأكيد في نفسه خلاف الأصل وخلاف ظاهر الكلام لو خلّي ونفسه.

الثانية : أن يكون الأمران معا معلّقين على شرط واحد ، كأن يقول المولى مثلا : «إن كنت محدثا فتوضّأ» ، ثمّ يكرّر نفس القول ثانيا. ففي هذه الحالة أيضا يحمل على التأكيد ؛ لعين ما قلناه في الحالة الأولى بلا تفاوت.

الثالثة : أن يكون أحد الأمرين معلّقا والآخر غير معلّق ، كأن يقول مثلا : «اغتسل» ثمّ يقول : «إن كنت جنبا فاغتسل». ففي هذه الحالة أيضا يكون المطلوب واحدا ويحمل على التأكيد ؛ لوحدة المأمور به ظاهرا المانعة من تعلّق الأمرين به ، غير أنّ الأمر المطلق ـ أعني غير المعلّق ـ يحمل إطلاقه على المقيّد ـ أعني المعلّق ـ ، فيكون الثاني مقيّدا لإطلاق الأوّل وكاشفا عن المراد منه.

الرابعة : أن يكون أحد الأمرين معلّقا على شيء والآخر معلّقا على شيء آخر ، كأن يقول مثلا : «إن كنت جنبا فاغتسل» ويقول : «إن مسست ميّتا فاغتسل» ، ففي هذه الحالة يحمل ـ ظاهرا ـ على التأسيس ؛ لأنّ الظاهر أنّ المطلوب في كلّ منهما غير المطلوب في الآخر. ويبعد جدّا حمله على أنّ المطلوب واحد ، أمّا التأكيد : فلا معنى له هنا ، وأمّا القول بالتداخل بمعنى الاكتفاء بامتثال واحد عن المطلوبين : فهو ممكن ، ولكنّه ليس من باب التأكيد ، بل لا يفرض إلاّ بعد فرض التأسيس وأنّ هناك أمرين يمتثلان معا بفعل واحد ؛

ولكنّ التداخل ـ على كلّ حال ـ خلاف الأصل ، ولا يصار إليه إلاّ بدليل خاصّ ، كما ثبت في غسل الجنابة أنّه يجزئ عن كلّ غسل آخر ، وسيأتي البحث عن التداخل مفصّلا في مفهوم الشرط (١).

١١. دلالة الأمر بالأمر على الوجوب

إذا أمر المولى أحد عبيده أن يأمر عبده الآخر بفعل ، فهل هو أمر بذلك الفعل حتّى يجب على الثاني فعله؟ [اختلفوا] على قولين. وهذا يمكن فرضه على نحوين :

١. أن يكون المأمور الأوّل على نحو المبلّغ لأمر المولى إلى المأمور الثاني ، مثل أن يأمر رئيس الدولة وزيره أن يأمر الرعيّة عنه بفعل. وهذا النحو لا شكّ خارج عن محلّ الخلاف ؛ لأنّه لا يشكّ أحد في ظهوره في وجوب الفعل على المأمور الثاني. وكلّ أوامر الأنبياء بالنسبة إلى المكلّفين من هذا القبيل.

٢. ألاّ يكون المأمور الأوّل على نحو المبلّغ ، بل هو مأمور أن يستقلّ في توجيه الأمر إلى الثاني من قبل نفسه ، وعلى نحو قول الإمام عليه‌السلام «مروهم بالصّلاة وهم أبناء سبع (٢)» ، يعني الأطفال.

وهذا النحو هو محلّ الخلاف والبحث. ويلحق به ما لم يعلم الحال فيه أنّه على أيّ نحو من النحوين المذكورين.

والمختار أنّ مجرّد الأمر بالأمر ظاهر عرفا في وجوبه على الثاني.

وتوضيح ذلك أنّ الأمر بالأمر لا على نحو التبليغ يقع على صورتين :

الأولى : أن يكون غرض المولى يتعلّق بفعل المأمور الثاني ، ويكون أمره بالأمر طريقا للتوصّل إلى حصول غرضه. وإذا عرف غرضه أنّه على هذه الصورة يكون أمره بالأمر

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ١٢٧ ـ ١٣٠.

(٢) وإليك نصّ الرواية : عن أبي عبد الله عليه‌السلام عن أبيه ، فقال : «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين ، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين». الوسائل ٣ : ١٢ ، الباب ٣ من أبواب أعداد الفرائض ، الحديث ٥.