درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۷۵: صیغه امر ۱۴

 

الخاتمة : في تقسيمات الواجب

للواجب عدّة تقسيمات لا بأس بالتعرّض لها ، إلحاقا بمباحث الأوامر ؛ وإتماما للفائدة.

١. المطلق والمشروط

إنّ الواجب إذا قيس وجوبه إلى شيء آخر خارج عن الواجب ، فهو لا يخرج عن أحد نحوين :

١. أن يكون متوقّفا وجوبه على ذلك الشيء ، وهو ـ أي الشيء ـ مأخوذ في وجوب الواجب على نحو الشرطيّة ، كوجوب الحجّ بالقياس إلى الاستطاعة. وهذا هو المسمّى بـ «الواجب المشروط» ؛ لاشتراط وجوبه بحصول ذلك الشيء الخارج ، ولذا لا يجب الحجّ إلاّ عند حصول الاستطاعة.

٢. أن يكون وجوب الواجب غير متوقّف على حصول ذلك الشيء الآخر ، كالحجّ بالقياس إلى قطع المسافة ، وإن توقّف وجوده عليه. وهذا هو المسمّى بـ «الواجب المطلق» ؛ لأنّ وجوبه مطلق غير مشروط بحصول ذلك الشيء الخارج. ومنه الصلاة بالقياس إلى الوضوء والغسل والساتر ونحوها.

ومن مثال الحجّ يظهر أنّه ـ وهو واجب واحد ـ يكون واجبا مشروطا بالقياس إلى شيء ، (١) وواجبا مطلقا بالقياس إلى شيء آخر (٢). فالمشروط والمطلق أمران إضافيان.

ثمّ اعلم أنّ كلّ واجب هو واجب مشروط بالقياس إلى الشرائط العامّة ، وهي البلوغ والقدرة والعقل ، فالصبيّ والعاجز والمجنون لا يكلّفون بشيء في الواقع.

وأمّا «العلم» : فقد قيل : «إنّه من الشروط العامّة» (٣). والحقّ أنّه ليس شرطا في الوجوب ولا في غيره من الأحكام ، بل التكاليف الواقعيّة مشتركة بين العالم والجاهل على حدّ سواء. نعم ، العلم شرط في استحقاق العقاب على مخالفة التكليف على تفصيل يأتي في

__________________

(١) وهو الاستطاعة مثلا.

(٢) وهو قطع المسافة مثلا.

(٣) ذهب إليه أكثر العامّة. فراجع الإحكام (الآمديّ) ١ : ٢١٥ ؛ نهاية السئول ١ : ٣١٥ ؛ المستصفى ١ : ٨٣ ، فواتح الرحموت (المطبوع بهامش المستصفى) ١ : ١٤٣.

مباحث الحجّة وغيرها إن شاء الله (تعالى) (١). وليس هذا موضعه.

٢. المعلّق والمنجّز (٢)

لا شكّ أنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه يكون وجوبه فعليّا شأن الواجب المطلق ، فيتوجّه التكليف فعلا إلى المكلّف. ولكن فعليّة التكليف تتصوّر على وجهين :

١. أن تكون فعليّة الوجوب مقارنة زمانا لفعليّة الواجب ، بمعنى أن يكون زمان الواجب نفس زمان الوجوب. ويسمّى هذا القسم : «الواجب المنجّز» ، كالصلاة بعد دخول وقتها ؛ فإنّ وجوبها فعليّ ، والواجب ـ وهو الصلاة ـ فعليّ أيضا.

٢. أن تكون فعليّة الوجوب سابقة زمانا على فعليّة الواجب ، فيتأخّر زمان الواجب عن زمان الوجوب. ويسمّى هذا القسم : «الواجب المعلّق» ؛ لتعليق الفعل ـ لا وجوبه ـ على زمان حاصل بعد ، كالحجّ ـ مثلا ـ ، فإنّه عند حصول الاستطاعة يكون وجوبه فعليّا ـ كما قيل (٣) ـ ولكن الواجب معلّق على حصول الموسم ، فإنّه عند حصول الاستطاعة وجب الحجّ ، ولذا يجب عليه أن يهيّئ المقدّمات والزاد والراحلة حتّى يحصل وقته وموسمه ليفعله في وقته المحدّد له.

وقد وقع البحث والكلام هنا في مقامين :

الأوّل : في إمكان الواجب المعلّق ، والمعروف عن صاحب الفصول قدس‌سره القول بإمكانه ووقوعه (٤). والأكثر على استحالته (٥) ، وهو المختار ، وسنتعرّض له ـ إن شاء الله (تعالى) ـ في

__________________

(١) يأتى في المبحث الحادي عشر من المباحث المذكورة في المقدّمة من المقصد الثالث.

(٢) هذا التقسيم هو الذى ابتكره صاحب الفصول. وقد أنكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ. والمحقّق الخراسانيّ تعرّض لإنكاره عليه وقال : «فلا يكون مجال لإنكاره عليه» ، ثمّ أورد على التقسيم المذكور بوجه آخر. راجع الفصول الغرويّة : ٧٩ ؛ مطارح ٦ الأنظار : ٥١ ؛ كفاية الأصول : ١٢٧.

(٣) والقائل صاحب الفصول ومن تابعة.

(٤) الفصول الغرويّة : ٧٩. واختاره المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٣٠٣ ـ ٣١٦ ، والسيّد الإمام الخمينيّ في تهذيب الأصول ١ : ١٨١.

(٥) ومنهم الشيخ في مطارح الأنظار : ٥١ ، والمحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ١٨٦ ـ ١٨٩.