درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۹۴: مفاهیم ۸

 

فقصّر» ، و «إذا خفيت الجدران فقصّر».

٢. أن يكون الجزاء قابلا للتكرار ، كما في نحو «إذا أجنبت فاغتسل» ، «إذا مسست ميّتا فاغتسل».

أمّا النحو الأوّل : فيقع فيه التعارض بين الدليلين ، بناء على مفهوم الشرط ، ولكن التعارض إنّما هو بين مفهوم كلّ منهما مع منطوق الآخر ، كما هو واضح. فلا بدّ من التصرّف فيهما بأحد وجهين :

الوجه الأوّل : أن نقيّد كلاّ من الشرطيّتين من ناحية ظهورهما في الاستقلال بالسببيّة ، ذلك الظهور الناشئ من الإطلاق ـ كما سبق ـ الذي يقابله التقييد بالعطف بالواو ، فيكون الشرط في الحقيقة هو المركّب من الشرطين ، وكلّ منهما يكون جزء السبب ، والجملتان تكونان حينئذ كجملة واحدة مقدّمها المركّب من الشرطين ، بأن يكون مؤدّاهما هكذا «إذا خفي الأذان والجدران معا فقصّر».

وربّما يكون لهاتين الجملتين معا حينئذ مفهوم واحد ، وهو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرطين معا ، أو أحدهما ، كما لو كانا جملة واحدة.

الوجه الثاني : أن نقيّدهما من ناحية ظهورهما في الانحصار ، ذلك الظهور الناشئ من الإطلاق المقابل للتقييد بـ «أو». وحينئذ يكون الشرط أحدهما على البدليّة أو الجامع بينهما على أن يكون كلّ منهما مصداقا له ، وذلك حينما يمكن فرض الجامع بينهما ولو كان عرفيّا.

وإذ يدور الأمر بين الوجهين في التصرّف ، فأيّهما أولى؟ هل الأولى تقييد ظهور الشرطيّتين في الاستقلال أو تقييد ظهورهما في الانحصار؟ قولان في المسألة.

والأوجه ـ على الظاهر ـ هو التصرّف الثاني ؛ لأنّ منشأ التعارض بينهما هو ظهورهما في الانحصار الذي يلزم منه الظهور في المفهوم ، فيتعارض منطوق كلّ منهما مع مفهوم الأخرى ـ كما تقدّم ـ ، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور كلّ منهما في الانحصار بالإضافة إلى المقدار الذي دلّ عليه منطوق الشرطيّة الأخرى ؛ لأنّ ظهور المنطوق أقوى ؛ أمّا ظهور كلّ من الشرطيّتين في الاستقلال فلا معارض له حتّى ترفع اليد عنه.

وإذا ترجّح القول الثاني ـ وهو التصرّف في ظهور الشرطيّتين في الانحصار ـ يكون كلّ من الشرطين مستقلاّ في التأثير ، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم. وإن حصلا معا ، فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق ، وإن تقارنا كان الأثر لهما معا ويكونان كالسبب الواحد ؛ لامتناع تكرار الجزاء حسب الفرض.

وأمّا النحو الثاني : ـ وهو ما إذا كان الجزاء قابلا للتكرار ـ : فهو على صورتين :

١. أن يثبت بالدليل أنّ كلاّ من الشرطين جزء السبب. ولا كلام حينئذ في أنّ الجزاء واحد يحصل عند حصول الشرطين معا.

٢. أن يثبت من دليل مستقلّ ، أو من ظاهر دليل الشرط أنّ كلاّ من الشرطين سبب مستقلّ ، سواء كان للقضيّة الشرطيّة مفهوم أم لم يكن ، فقد وقع الخلاف ـ فيما إذا اتّفق وقوع الشرطين معا في وقت واحد أو متعاقبين ـ في أنّ القاعدة أيّ شيء تقتضي؟ هل تقتضي تداخل الأسباب فيكون لها جزاء واحد كما في مثال تداخل موجبات الوضوء من خروج البول أو الغائط والنوم ونحوهما ، أم تقتضي عدم التداخل فيتكرّر الجزاء بتكرّر الشروط ، كما في مثال تعدّد وجوب الصلاة بتعدّد أسبابه من دخول وقت اليوميّة وحصول الآيات؟

أقول : لا شبهة في أنّه إذا ورد دليل خاصّ على التداخل (١) أو عدمه (٢) وجب الأخذ بذلك الدليل.

وأمّا مع عدم ورود الدليل الخاصّ فهو محلّ الخلاف. والحقّ أنّ القاعدة فيه عدم التداخل.

بيان ذلك أنّ لكلّ شرطيّة ظهورين :

١. ظهور الشرط فيها في الاستقلال بالسببيّة. وهذا الظهور يقتضي أن يتعدّد الجزاء في الشرطيّتين موضوعتي البحث ، فلا تتداخل الأسباب.

٢. ظهور الجزاء فيها في أنّ متعلّق الحكم فيه صرف الوجود. ولمّا كان صرف الشيء لا يمكن أن يكون محكوما بحكمين ، فيقتضي ذلك أن يكون لجميع الأسباب جزاء واحد

__________________

(١) كالروايات الواردة في باب الغسل. راجع الوسائل ١ : ٥٢٥ ـ ٥٢٧ ، الباب ٤٣ من أبواب الجنابة.

(٢) كما في مثال تعدّد وجوب الصلاة بتعدّد أسبابه.