درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۹۶: مفاهیم ۱۰

 

وحكم واحد عند فرض اجتماعها ، فتتداخل الأسباب.

وعلى هذا ، فيقع التنافي بين هذين الظهورين ، فإذا قدّمنا الظهور الأوّل لا بدّ أن نقول بعدم التداخل ، وإذا قدّمنا الظهور الثاني لا بدّ أن نقول بالتداخل ، فأيّهما أولى بالتقديم؟ والأرجح أنّ الأولى بالتقديم ظهور الشرط على ظهور الجزاء ؛ لأنّ الجزاء لمّا كان معلّقا على الشرط فهو تابع له ثبوتا وإثباتا ، فإن كان واحدا كان الجزاء واحدا وإن كان متعدّدا كان متعدّدا. وإذا كان المقدّم متعدّدا ـ حسب فرض ظهور الشرطيّتين ـ كان الجزاء تابعا له ؛ وعليه ، لا يستقيم للجزاء ظهور في وحدة المطلوب ؛ فيخرج المقام عن باب التعارض بين الظهورين ، بل يكون الظهور في التعدّد رافعا للظهور في الوحدة ؛ لأنّ الظهور في الوحدة لا يكون إلاّ بعد فرض سقوط الظهور في التعدّد ، أو بعد فرض عدمه ، أمّا مع وجوده فلا ينعقد الظهور في الوحدة.

فالقاعدة في المقام ـ إذن ـ هي «عدم التداخل». وهو مذهب أساطين العلماء الأعلام (قدّس الله أسرارهم) (١).

تنبيهان

١. تداخل المسبّبات

إنّ البحث في المسألة السابقة إنّما هو عمّا إذا تعدّدت الأسباب فيتساءل فيها عمّا إذا كان تعدّدها يقتضي المغايرة في الجزاء وتعدّد المسبّبات ـ بالفتح ـ أو لا يقتضي فتتداخل الأسباب ، وينبغي أن تسمّى بـ «مسألة تداخل الأسباب».

وبعد الفراغ عن عدم تداخل الأسباب هناك ينبغي أن يبحث أنّ تعدّد المسبّبات إذا

__________________

(١) بل هو منسوب إلى المشهور. راجع مطارح الأنظار : ١٧٥ ؛ كفاية الأصول : ٢٣٩ ـ ٢٤٢ ؛ نهاية الأفكار ٢ : ٤٨٩ ؛ فوائد الأصول ٢ : ٤٩٣ ؛ المحاضرات ٥ : ١١٨.

وفي المقام قولان آخران : أحدهما : التداخل ، كما ذهب إليه العلاّمة الخوانساريّ في مشارق الشموس : ٦١. ثانيهما : التفصيل بين ما إذا تعدّدت الأسباب نوعا أو جنسا ، وبين ما إذا تعدّدت شخصا ، فالقاعدة على الأوّل عدم التداخل وعلى الثاني التداخل ، وهذا مذهب الحلّي (ابن إدريس) في السرائر ١ : ٢٥٨.

كانت تشترك في الاسم والحقيقة ـ كالأغسال ـ هل يصحّ أن يكتفى عنها بوجود واحد لها أو لا يكتفى؟

وهذه مسألة أخرى ، غير ما تقدّم ، تسمّى بـ «مسألة تداخل المسبّبات» ، وهي من ملحقات الأولى.

والقاعدة فيها أيضا عدم التداخل.

والسرّ في ذلك أنّ سقوط الواجبات المتعدّدة بفعل واحد ـ وإن أتي به بنيّة امتثال الجميع ـ يحتاج إلى دليل خاصّ ، كما ورد في الأغسال بالاكتفاء بغسل الجنابة عن باقي الأغسال (١) ، وورد أيضا جواز الاكتفاء بغسل واحد عن أغسال متعدّدة (٢). ومع عدم ورود الدليل الخاصّ فإنّ كلّ وجوب يقتضي امتثالا خاصّا به ، لا يغني عنه امتثال الآخر وإن اشتركت الواجبات في الاسم والحقيقة.

نعم ، قد يستثنى من ذلك ما إذا كان بين الواجبين نسبة العموم والخصوص من وجه ، وكان دليل كلّ منهما مطلقا بالإضافة إلى مورد الاجتماع ، كما إذا قال ـ مثلا ـ : «تصدّق على مسكين» ، وقال ـ ثانيا ـ : «تصدّق على ابن سبيل» ، فجمع العنوانين شخص واحد بأن كان مسكينا وابن سبيل ، فإنّ التصدّق عليه يكون مسقطا للتكليفين.

٢. الأصل العمليّ في المسألتين

إنّ مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في تداخل الأسباب هو التداخل ؛ لأنّ تأثير السببين في تكليف واحد متيقّن ، وإنّما الشكّ في تكليف ثان زائد. والأصل في مثله البراءة.

وبعكسه في مسألة تداخل المسبّبات ؛ فإنّ الأصل يقتضي فيه عدم التداخل كما مرّت الإشارة إليه ؛ لأنّه بعد ثبوت التكاليف المتعدّدة بتعدّد الأسباب يشكّ في سقوط التكاليف الثابتة لو فعل فعلا واحدا. ومقتضى القاعدة ـ في مثله ـ الاشتغال ، بمعنى أنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ ، فلا يكتفى بفعل واحد في مقام الامتثال.

__________________

(١ و ٢) راجع الوسائل ١ : ٥٢٥ ـ ٥٢٨ ، الباب ٤٣ من أبواب الجنابة.