درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۳۲: مطلق و مقید ۷

 

٢. أن يكون بالحمل الشائع ، وذلك عند الحكم عليها ببعض ذاتيّاتها ، كالجنس وحده أو الفصل وحده.

وعلى كلتا الصورتين فإنّ النظر إلى الماهيّة مقصور على ذاتيّاتها غير متجاوز فيه إلى ما هو خارج عنها. وهذا لا كلام فيه.

وعلى الثاني : فإنّه لا بدّ من ملاحظتها مقيسة إلى ما هو خارج عنها ، فتخرج بذلك عن مقام ذاتها وحدها من حيث هي ، أي عن تقرّرها الذاتيّ الذي لا ينظر فيه إلاّ إلى ذاتها وذاتيّاتها. وهذا واضح ؛ لأنّه مع قطع النظر عن كلّ ما عداها لا يجتمع مع الحكم عليها بأمر خارج عن ذاتها ؛ لأنّهما متناقضان.

وعليه ، لو حكم عليها بأمر خارج عنها وقد لوحظت مقيسة إلى هذا الغير ، فلا بدّ أن تكون معتبرة بأحد الاعتبارات الثلاثة المتقدّمة ؛ إذ يستحيل أن يخلو الواقع من أحدها ـ كما تقدّم ـ ، ولا معنى لاعتبارها باللابشرط المقسميّ ؛ لما تقدّم أنّه ليس هو تعيّنا مستقلاّ في قبال تلك التعيّنات ، بل هو مقسم لها.

ثمّ إنّ الغير ـ أي الأمر الخارج عن ذاتها ، الذي لوحظت الماهيّة مقيسة إليه ـ لا يخلو إمّا أن يكون نفس المحمول أو شيئا آخر ، فإن كان هو المحمول فيتعيّن أن تؤخذ الماهيّة بالقياس إليه لا بشرط قسميّ ؛ لعدم صحّة الاعتبارين الآخرين.

أمّا أخذها بشرط شيء ـ أي بشرط المحمول ـ فلا يصحّ ذلك دائما ؛ لأنّه يلزم أن تكون القضيّة ضروريّة دائما ، لاستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع بشرط المحمول. على أنّ أخذ المحمول في الموضوع يلزم منه حمل الشيء على نفسه وتقدّمه على نفسه ، وهو مستحيل إلاّ إذا كان هناك تغاير بحسب الاعتبار ، كحمل «الحيوان الناطق» على «الإنسان» فانّهما متغايران باعتبار الإجمال والتفصيل.

وأمّا أخذها بشرط لا ـ أي بشرط عدم المحمول ـ فلا يصحّ ؛ لأنّه يلزم التناقض ، فإنّ الإنسان بشرط عدم الكتابة يستحيل حمل الكتابة عليه.

وإن كان هذا الغير الخارج هو غير المحمول ، فيجوز أن تكون الماهيّة حينئذ مأخوذة بالقياس إليه بشرط شيء ، كجواز تقليد المجتهد بشرط العدالة ، أو بشرط لا ، كوجوب

صلاة الظهر يوم الجمعة بشرط عدم حضور الإمام ، أو لا بشرط ، كجواز السلام على المؤمن مطلقا بالقياس إلى العدالة مثلا ـ أي لا بشرط وجودها ولا بشرط عدمها ـ ، كما يجوز أن تكون مهملة غير مقيسة إلى شيء غير محمولها.

ولكن قد يستشكل في كلّ ذلك بأنّ هذه الاعتبارات الثلاثة اعتبارات ذهنيّة ، لا موطن لها إلاّ الذهن ، فلو تقيّدت الماهيّة بأحدها عند ما تؤخذ موضوعا للحكم للزم أن تكون جميع القضايا ذهنيّة عدا حمل الذاتيّات التي قد اعتبرت فيها الماهيّة من حيث هي ، ولبطلت القضايا الخارجيّة والحقيقيّة ، مع أنّها عمدة القضايا ، بل لاستحال في التكاليف الامتثال ؛ لأنّ ما موطنه الذهن يمتنع إيجاده في الخارج (١).

وهذا الإشكال وجيه لو كان الحكم على الموضوع بما هو معتبر بأحد الاعتبارات الثلاثة على وجه يكون الاعتبار قيدا في الموضوع أو نفسه هو الموضوع. ولكن ليس الأمر كذلك ، فإنّ الموضوع في كلّ تلك القضايا هو ذات الماهيّة المعتبرة ولكن لا بقيد الاعتبار ، بمعنى أنّ الموضوع في «بشرط شيء» الماهيّة المقترنة بذلك الشيء ، لا المقترنة بلحاظه واعتباره ، وفي «بشرط لا» الماهيّة المقترنة بعدمه ، لا بلحاظ عدمه ، وفي «لا بشرط» الماهيّة غير الملاحظ معها الشيء ولا عدمه ، لا الملاحظة بعدم لحاظ الشيء وعدمه ، وإلاّ لكانت الماهيّة معتبرة في الجميع بشرط شيء فقط ، أي بشرط اللحاظ والاعتبار.

نعم ، هذه الاعتبارات هي المصحّحة لموضوعيّة الموضوع على الوجه اللازم الذي يقتضيه واقع الحكم ، لا أنّها مأخوذة قيدا فيه حتّى تكون جميع القضايا ذهنيّة. ولو كان الأمر كذلك ، لكان الحكم بالذاتيّات أيضا قضيّة ذهنيّة ؛ لأنّ اعتبار الماهيّة من حيث هي أيضا اعتبار ذهنيّ.

وممّا يقرّب ما قلناه ـ من كون الاعتبار مصحّحا لموضوعيّة الموضوع لا مأخوذا فيه مع أنّه لا بدّ منه عند الحكم بشيء ـ أنّ كلّ موضوع ومحمول لا بدّ من تصوّره في مقام

__________________

(١) هذا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٨٣. وراجع حاشية المشكيني على الكفاية (الطبع الحجريّ) ١ : ٣٧٧.