درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۸: ملازمات عقلیه ۷

 

موضوع النزاع؟ فنقول :

أوّلا : قد يطلق الحسن والقبح ويراد بهما الكمال والنقص. ويقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختياريّة ولمتعلّقات الأفعال ، فيقال ـ مثلا ـ : «العلم حسن ، والتعلّم حسن» ، وبضدّ ذلك يقال : «الجهل قبيح ، وإهمال التعلّم قبيح». ويراد بذلك أنّ العلم والتعلّم كمال للنفس وتطوّر في وجودها ، وأنّ الجهل وإهمال التعلّم نقصان فيها وتأخّر في وجودها.

وكثير من الأخلاق الإنسانيّة حسنها وقبحها باعتبار هذا المعنى ، فالشجاعة والكرم والحلم والعدالة والإنصاف ونحو ذلك إنّما حسنها باعتبار أنّها كمال للنفس وقوّة في وجودها. وكذلك أضدادها قبيحة ؛ لأنّها نقصان في وجود النفس وقوّتها. ولا ينافي ذلك أنّه يقال للأولى : «حسنة» وللثانية : «قبيحة» باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين.

وليس للأشاعرة ظاهرا نزاع في الحسن والقبح بهذا المعنى ، بل جملة منهم يعترفون بأنّهما عقليّان (١) ؛ لأنّ هذه من القضايا اليقينيّات التي وراءها واقع خارجيّ تطابقه ، على ما سيأتي (٢).

ثانيا : إنّهما قد يطلقان ويراد بهما الملاءمة للنفس والمنافرة لها ، ويقعان وصفا بهذا المعنى أيضا للأفعال ومتعلّقاتها من أعيان وغيرها.

فيقال في المتعلّقات : «هذا المنظر حسن جميل» ، «هذا الصوت حسن مطرب» ، «هذا المذوق حلو حسن» ... وهكذا.

ويقال في الأفعال : «نوم القيلولة حسن» ، «الأكل عند الجوع حسن» و «الشرب بعد العطش حسن» ... وهكذا.

وكلّ هذه الأحكام لأنّ النفس تلتذّ بهذه الأشياء وتتذوّقها لملاءمتها لها. وبضدّ ذلك يقال في المتعلّقات والأفعال : «هذا المنظر قبيح» ، «ولولة النائحة قبيحة» ، «النوم على الشبع

__________________

(١) قال في شرح المواقف ـ : بعد ذكر هذا المعنى ـ : «ولا نزاع في أنّ هذا المعنى أمر ثابت للصفات في أنفسها ، وأنّ مدركه العقل». وقال في شرح المقاصد : «وليس النزاع في الحسن والقبح بمعنى صفة الكمال والنقص». راجع شرح المواقف ٨ : ١٩٢ ، وشرح المقاصد ٤ : ٢٨٢.

(٢) يأتي في الصفحة : ٢٣٠.

قبيح» ... وهكذا. وكلّ ذلك ؛ لأنّ النفس تتألّم أو تشمئزّ من ذلك.

فيرجع معنى الحسن والقبح ـ في الحقيقة ـ إلى معنى اللذّة والألم ، أو فقل : «إلى معنى الملاءمة للنفس وعدمها» ، ما شئت فعبّر ، فإنّ المقصود واحد.

ثمّ إنّ هذا المعنى من الحسن والقبح يتّسع إلى أكثر من ذلك ؛ فإنّ الشيء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذّة أو ألما ، ولكنّه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذّ به النفس أو تتألّم منه يسمّى أيضا : «حسنا» أو «قبيحا» ، بل قد يكون الشيء في نفسه قبيحا تشمئزّ منه النفس ، كشرب الدواء المرّ ، ولكنّه باعتبار ما يعقبه من الصحّة والراحة ـ التي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتيّ ـ يدخل فيما يستحسن ، كما قد يكون الشيء بعكس ذلك حسنا تلتذّ به النفس ، كالأكل اللذيذ المضرّ بالصحّة ، ولكن باعتبار ما يعقبه ـ من مرض أعظم من اللذّة الوقتيّة ـ يدخل فيما يستقبح.

والإنسان بتجاربه الطويلة وبقوّة تمييزه العقليّ يستطيع أن يصنّف الأشياء والأفعال إلى ثلاثة أصناف : ما يستحسن ، وما يستقبح ، وما ليس له هاتان المزيّتان. ويعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة والمنافرة ولو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو (١) عند العقل على ما له من لذّة وقتيّة أو ألم وقتيّ ، كمن يتحمّل المشاقّ الكثيرة ويقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم ، أو الجاه ، أو الصحّة ، أو المال ، وكمن يستنكر بعض اللذّات الجسديّة استكراها لشؤم عواقبها.

وكلّ ذلك يدخل في الحسن والقبح بمعنى الملائم وغير الملائم ، قال القوشجيّ في شرحه للتجريد عن هذا المعنى : «وقد يعبّر عنهما ـ أي الحسن والقبح ـ بالمصلحة والمفسدة فيقال : الحسن ما فيه مصلحة ، والقبيح ما فيه مفسدة ، وما خلا منهما لا يكون شيئا منهما» (٢).

وهذا راجع إلى ما ذكرناه ، وليس المقصود أنّ للحسن والقبح معنى آخر ـ بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة ـ غير معنى الملاءمة والمنافرة ، فإنّ استحسان المصلحة إنّما يكون

__________________

(١) أي ترتفع.

(٢) شرح التجريد للقوشجيّ ٣٣٨. وهكذا قال أيضا السيّد الشريف في شرح المواقف ٨ : ١٩٢.