درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۵۰: ملازمات عقلیه ۹

 

للملاءمة واستقباح المفسدة للمنافرة.

وهذا المعنى من الحسن والقبح أيضا ليس للأشاعرة فيه نزاع ، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليّان ، (١) أي ممّا يدركه العقل من غير توقّف على حكم الشرع. ومن توهّم أنّ النزاع بين القوم في هذا المعنى ، فقد ارتكب شططا ولم يفهم كلامهم.

ثالثا : أنّهما يطلقان ويراد بهما المدح والذمّ ، ويقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختياريّة فقط. ومعنى ذلك : أنّ الحسن ما استحقّ فاعله عليه المدح والثواب عند العقلاء كافّة ، والقبيح ما استحقّ عليه فاعله الذمّ والعقاب عندهم كافّة.

وبعبارة أخرى : إنّ الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء ـ أي إنّ العقل عند الكلّ يدرك أنّه ينبغي فعله ـ ، والقبيح ما ينبغي تركه عندهم ، أي إنّ العقل عند الكلّ يدرك أنّه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه.

وهذا الإدراك للعقل هو معنى حكمه بالحسن والقبح ، وسيأتي توضيح هذه النقطة ، فإنّها مهمّة جدّا في الباب.

وهذا المعنى الثالث هو موضوع النزاع (٢) فالأشاعرة أنكروا أن يكون للعقل إدراك ذلك من دون الشرع ، وخالفتهم العدليّة ، فأعطوا للعقل هذا الحقّ من الإدراك.

تنبيه : وممّا يجب أن يعلم هنا أنّ الفعل الواحد قد يكون حسنا أو قبيحا بجميع المعاني الثلاثة ، كالتعلّم والحلم والإحسان ، فإنّها كمال للنفس ، وملائمة لها باعتبار ما لها من نفع ومصلحة ، وممّا ينبغي أن يفعلها الإنسان عند العقلاء.

وقد يكون الفعل حسنا بأحد المعاني ، قبيحا أو ليس بحسن بالمعنى الآخر ، كالغناء ـ مثلا ـ ، فإنّه حسن بمعنى الملاءمة للنفس ، ولذا يقولون عنه : «إنّه غذاء للروح» (٣) ، وليس حسنا بالمعنى الأوّل أو الثالث ، فإنّه لا يدخل عند العقلاء بما هم عقلاء فيما ينبغي أن يفعل

__________________

(١) كما اعترفوا به في كتبهم ، انظر التعليقة رقم (١) من الصفحة : ٢٢٦.

(٢) كما اعترفوا بذلك. راجع المصادر الواردة في التعليقة رقم (١) من الصفحة : ٢٢٦.

(٣) كأنّ هذا التعبير يريد أن يحاول قائلوه به دعوى أنّ الغناء كمال للنفس في سماعه وهو مغالطة وإيهام منهم. ـ منه رحمه‌الله ـ.

وليس كمالا للنفس ، وإن كان هو كمالا للصوت بما هو صوت ، فيدخل في المعنى الأوّل للحسن من هذه الجهة ؛ ومثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات والمخدّرات ، فإنّ هذه حسنة بمعنى الملاءمة فقط ، وليس كمالا للنفس ولا ممّا ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء.

٢. واقعيّة الحسن والقبح في معانيهما ورأى الأشاعرة

إنّ الحسن بالمعنى الأوّل ـ أي الكمال ـ ، وكذا مقابله ـ أي القبح ـ أمر واقعيّ خارجيّ لا يختلف باختلاف الأنظار والأذواق ، ولا يتوقّف على وجود من يدركه ويعقله ، بخلاف الحسن [والقبح] بالمعنيين الأخيرين.

وهذا ما يحتاج إلى التوضيح والتفصيل ، فنقول :

١. أمّا الحسن بمعنى الملاءمة ، وكذا ما يقابله ، فليس له في نفسه إزاء في الخارج يحاذيه ويحكي عنه ، وإن كان منشؤه قد يكون أمرا خارجيّا ، كاللون والرائحة والطعم وتناسق الأجزاء ونحو ذلك.

بل حسن الشيء يتوقّف على وجود الذوق العامّ أو الخاصّ ، فإنّ الإنسان هو الذي يتذوّق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشيء ملائما لنفسه فيكون حسنا عنده ، أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده. فإذا اختلفت الأذواق في الشيء كان حسنا عند قوم ، قبيحا عند آخرين. وإذا اتّفقوا في ذوق عامّ ، كان ذلك الشيء حسنا عندهم جميعا ، أو قبيحا كذلك.

والحاصل : أنّ الحسن ـ بمعنى الملائم ـ ليس صفة واقعيّة للأشياء كالكمال ، وليس واقعيّة هذه الصفة إلاّ إدراك الإنسان وذوقه ، فلو لم يوجد إنسان يتذوّق ولا من يشبهه في ذوقه لم يكن للأشياء في حدّ أنفسها حسن بمعنى الملاءمة.

وهذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث (١) في الألوان ، إذ يقال : إنّها لا واقع لها ، بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام ، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان

__________________

(١) أي النظرية الجديدة.