درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۵۲: ملازمات عقلیه ۱۱

 

وليس كمالا للنفس ، وإن كان هو كمالا للصوت بما هو صوت ، فيدخل في المعنى الأوّل للحسن من هذه الجهة ؛ ومثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات والمخدّرات ، فإنّ هذه حسنة بمعنى الملاءمة فقط ، وليس كمالا للنفس ولا ممّا ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء.

٢. واقعيّة الحسن والقبح في معانيهما ورأى الأشاعرة

إنّ الحسن بالمعنى الأوّل ـ أي الكمال ـ ، وكذا مقابله ـ أي القبح ـ أمر واقعيّ خارجيّ لا يختلف باختلاف الأنظار والأذواق ، ولا يتوقّف على وجود من يدركه ويعقله ، بخلاف الحسن [والقبح] بالمعنيين الأخيرين.

وهذا ما يحتاج إلى التوضيح والتفصيل ، فنقول :

١. أمّا الحسن بمعنى الملاءمة ، وكذا ما يقابله ، فليس له في نفسه إزاء في الخارج يحاذيه ويحكي عنه ، وإن كان منشؤه قد يكون أمرا خارجيّا ، كاللون والرائحة والطعم وتناسق الأجزاء ونحو ذلك.

بل حسن الشيء يتوقّف على وجود الذوق العامّ أو الخاصّ ، فإنّ الإنسان هو الذي يتذوّق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشيء ملائما لنفسه فيكون حسنا عنده ، أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده. فإذا اختلفت الأذواق في الشيء كان حسنا عند قوم ، قبيحا عند آخرين. وإذا اتّفقوا في ذوق عامّ ، كان ذلك الشيء حسنا عندهم جميعا ، أو قبيحا كذلك.

والحاصل : أنّ الحسن ـ بمعنى الملائم ـ ليس صفة واقعيّة للأشياء كالكمال ، وليس واقعيّة هذه الصفة إلاّ إدراك الإنسان وذوقه ، فلو لم يوجد إنسان يتذوّق ولا من يشبهه في ذوقه لم يكن للأشياء في حدّ أنفسها حسن بمعنى الملاءمة.

وهذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث (١) في الألوان ، إذ يقال : إنّها لا واقع لها ، بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام ، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان

__________________

(١) أي النظرية الجديدة.

موجودة بالفعل ، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقيّة هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها ، وليس كلّ واحد من الألوان إلاّ طيفا أو أطيافا فأكثر تركّبت.

وهكذا نقول في حسن الأشياء وجمالها بمعنى الملاءمة ، والشيء الواقعيّ فيها ما هو منشأ الملاءمة في الأشياء ، كالطعم والرائحة ونحوهما ، الذي هو كالصفة في الجسم ، إذ تكون منشأ لانعكاس أطياف الضوء. كما أنّ نفسي اللذّة والألم أيضا أمران واقعيّان ، ولكن ليسا هما الحسن والقبح اللذين هما من صفات الأشياء ، واللذّة والألم من صفات النفس المدركة للحسن والقبح.

٢. وأمّا الحسن بمعني ما ينبغي أن يفعل عند العقل ، فكذلك ليس له واقعيّة إلاّ إدراك العقلاء ، أو فقل : «تطابق آراء العقلاء». والكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملاءمة. وسيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح والذمّ أو إدراك العقل للحسن والقبح (١).

وعلى هذا ، فإن كان غرض الأشاعرة من إنكار الحسن والقبح إنكار واقعيّتهما بهذا المعنى من الواقعيّة فهو صحيح ، ولكن هذا بعيد من أقوالهم ؛ لأنّه لمّا كانوا يقولون بحسن الأفعال وقبحها بعد حكم الشارع فإنّه يعلم منه أنّه ليس غرضهم ذلك ؛ لأنّ حكم الشارع لا يجعل لهما واقعيّة وخارجيّة ؛ كيف؟ وقد رتّبوا على ذلك بأنّ وجوب المعرفة والطاعة ليس بعقليّ بل شرعيّ. وإن كان غرضهم إنكار إدراك العقل ـ كما هو الظاهر من أقوالهم ـ فسيأتي تحقيق الحقّ فيه (٢) ، وأنّهم ليسوا على صواب في ذلك.

٣. العقل العمليّ والنظريّ

إنّ المراد من العقل ـ إذ يقولون : إنّ العقل يحكم بحسن الشيء أو قبحه بالمعنى الثالث من الحسن والقبح ـ هو «العقل العمليّ» في مقابل «العقل النظريّ».

وليس الاختلاف بين العقلين إلاّ بالاختلاف بين المدركات ، فإن كان المدرك ـ بالفتح ـ

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٢٣٤ و ٢٣٥.

(٢) يأتي في الصفحة : ٢٤٣ و ٢٤٤.