درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۶۷: ملازمات عقلیه ۲۶

 

به الأمر ، وفي كونه قبيحا أن يتعلّق به النهي ـ حسب الفرض ـ ، [وهما] ثابتان وجدانا ، ولا حاجة إلى فرض ثبوت مدح وذمّ من الشارع.

وهذا الكلام ـ في الحقيقة ـ يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن والقبح ، فيكون الدليل وجوابه صرف دعوى ومصادرة على المطلوب ؛ لأنّ المستدلّ يرجع قوله إلى أنّه يجب المدح والذمّ عقلا ، لأنّهما واجبان في اتّصاف الشيء بالحسن والقبح ، والمجيب يرجع قوله إلى أنّهما لا يجبان عقلا ، لأنّهما غير واجبين في الحسن والقبح.

والأحسن تصوير الدليل على وجه آخر ، فنقول :

إنّه من المسلّم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر والنواهي الشرعيّة ، وكذلك وجوب المعرفة. وهذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعيّ حسب دعواهم ، فنقول لهم : من أين يثبت هذا الوجوب؟ لا بدّ أن يثبت بأمر من الشارع ؛ فننقل الكلام إلى هذا الأمر ، فنقول لهم : من أين تجب طاعة هذا الأمر؟ فإن كان هذا الوجوب عقليّا فهو المطلوب ، وإن كان شرعيّا أيضا فلا بدّ له من أمر ولا بدّ له من طاعة ، فننقل الكلام إليه ... وهكذا نمضي إلى غير النهاية ، ولا نقف حتّى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقليّ لا يتوقّف على أمر الشارع ، وهو المطلوب.

بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقّف على التحسين والتقبيح العقليّين ، ولو كان ثبوتها من طريق شرعيّ ، لاستحال ثبوتها ؛ لأنّا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعيّ فيتسلسل إلى غير النهاية.

والنتيجة أنّ ثبوت الحسن والقبح شرعا يتوقّف على ثبوتهما عقلا.

المبحث الثاني : إدراك العقل للحسن والقبح

بعد ما تقدّم من ثبوت الحسن والقبح العقليّين في الأفعال ، فقد نسب بعضهم (١) إلى جماعة

__________________

(١) لم أعثر على من نسبه إليهم صريحا. قال الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ١٥ : «وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة القطعيّة غير الضروريّة». ـ

من الأخباريّين (١) ـ على ما يظهر من كلمات بعضهم ـ (٢) إنكار أن يكون للعقل حقّ إدراك ذلك الحسن والقبح ، فلا يثبت شيء من الحسن والقبح الواقعيّين بإدراك العقل.

والشيء الثابت قطعا عندهم على الإجمال القول بعدم جواز الاعتماد على شيء من الإدراكات العقليّة في إثبات الأحكام الشرعيّة. وقد فسّر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة (٣) حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم :

١. إنكار إدراك العقل للحسن والقبح الواقعيّين. وهذه هي مسألتنا التي عقدنا لها هذا المبحث الثاني.

٢. ـ بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل ـ إنكار الملازمة بينه وبين حكم الشرع. وهذه هي المسألة الآتية في «المبحث الثالث».

٣. ـ بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل وثبوت الملازمة ـ إنكار وجوب إطاعة الحكم الشرعيّ الثابت من طريق العقل ، ومرجع ذلك إلى إنكار حجّيّة العقل. وسيأتي البحث عن ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب (مباحث الحجّة).

وعليه ، فإن أرادوا التفسير الأوّل بعد الاعتراف بثبوت الحسن والقبح العقليّين فهو كلام لا معنى له ؛ لأنّه قد تقدّم (٤) أنّه لا واقعيّة للحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه مع الأشاعرة ـ وهو المعنى الثالث ـ إلاّ إدراك العقلاء لذلك وتطابق آرائهم على مدح فاعل الحسن

__________________

ـ بل قال المحقّق الخراسانيّ : «وإن نسب إلى بعض الأخباريّين : (أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة) ، إلاّ أنّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة ، بل تشهد بكذبها». كفاية الأصول : ٣١١.

(١) منهم المحدّث الاسترآباديّ والمحدّث الجزائريّ والمحدّث البحرانيّ على ما في فرائد الأصول ١ : ١٥ ـ ١٩ ، ومطارح الأنظار : ٢٣٢.

(٢) راجع كلمات جمال المحقّقين والسيّد الصدر منقولا عنهما في مطارح الأنظار : ٢٣٢ ، وكلمات السيّد الأمين في الفوائد المدنيّة : ١٢٩ و ١٣١.

(٣) سيأتي أنّ هناك وجها رابعا لحمل كلامهم عليه بما أوّلنا به رأي صاحب الفصول ، الآتي ، وهو إنكار العقل لملاكات الأحكام الشرعيّة. وهو وجه وجيه سيأتي بيانه وتأييده ، وبه تحلّ عقدة النزاع ويقع التصالح بين الطرفين. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٤) تقدّم في الصفحة : ٢٢٩ و ٢٣١.

وذمّ فاعل القبيح على ما أوضحناه فيما سبق.

وإذا اعترفوا بثبوت الحسن والقبح بهذا المعنى فهو اعتراف بإدراك العقل. ولا معنى للتفكيك بين ثبوت الحسن والقبح وبين إدراك العقل لهما إلاّ إذا جاز تفكيك الشيء عن نفسه.

نعم ، إذا فسّروا الحسن والقبح بالمعنيين الأوّلين جاز هذا التفكيك ولكنّهما ليسا موضع النزاع عندهم.

وهذا الأمر واضح لا يحتاج إلى أكثر من هذا البيان بعد ما قدّمناه في المبحث الأوّل.

المبحث الثالث : ثبوت الملازمة العقليّة بين حكم العقل وحكم الشرع

ومعنى الملازمة العقليّة هنا ـ على ما تقدّم ـ أنّه إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عقلا أن يحكم الشرع على طبقه؟

وهذه هي المسألة الأصوليّة التي تخصّ علمنا ، وكلّ ما تقدّم من الكلام كان كالمقدّمة لها. وقد قلنا سابقا (١) : إنّ الأخباريّين فسّر كلامهم ـ في أحد الوجوه الثلاثة المقدّمة الذي يظهر من كلام بعضهم ـ بإنكار هذه الملازمة. وأمّا الأصوليّون فقد أنكرها منهم صاحب الفصول (٢) ، ولم نعرف له موافقا. وسيأتي توجيه كلامه وكلام الأخباريّين. (٣)

والحقّ أنّ الملازمة ثابتة عقلا ، فإنّ العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه ـ أي إنّه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام وبقاء النوع ، أو على قبحه لما فيه من الإخلال بذلك ـ فإنّ الحكم هذا يكون بادئ رأي الجميع ، فلا بدّ أن يحكم الشارع بحكمهم ؛ لأنّه منهم بل رئيسهم ، فهو بما هو عاقل ـ بل خالق العقل ـ كسائر العقلاء ، لا بدّ أن يحكم بما يحكمون. ولو فرضنا أنّه لم يشاركهم في حكمهم ، لما كان ذلك الحكم بادئ رأي الجميع ، وهذا خلاف الفرض.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٢٤٣.

(٢) الفصول الغرويّة : ٣٣٧.

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٤٦ «توضيح وتعقيب».