درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۰: ملازمات عقلیه ۲۹

 

وبعد ثبوت ذلك ينبغي أن نبحث هنا عن مسألة أخرى ، وهي أنّه لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل ، كقوله (تعالى) : ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) فهذا الأمر من الشارع هل هو أمر مولويّ ـ أي إنّه أمر منه بما هو مولى ـ أو إنّه أمر إرشاديّ ، أي إنّه أمر لأجل الإرشاد إلى ما حكم به العقل ، أي إنّه أمر منه بما هو عاقل؟ وبعبارة أخرى : إنّ النزاع هنا في أنّ مثل هذا الأمر من الشارع هل هو أمر تأسيسيّ ـ وهذا معنى أنّه مولويّ ـ أو أنّه أمر تأكيديّ ، وهو معنى أنّه إرشاديّ؟

لقد وقع الخلاف في ذلك ، والحقّ أنّه للإرشاد حيث يفرض أنّ حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلّف إلى الفعل الحسن واندفاع إرادته للقيام به ، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانيا ، بل يكون عبثا ولغوا ، بل هو مستحيل ؛ لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل.

وعليه ، فكلّ ما يرد في لسان الشرع من الأوامر في موارد المستقلاّت العقليّة لا بدّ أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا.

نعم ، لو قلنا بأنّ ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذمّ فقط على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى ، أو أنّه يلزم منه ذلك بل هو عينه (٢) ولكن لا يدرك ذلك كلّ أحد ، فيمكن ألاّ يكون نفس إدراك استحقاق المدح والذمّ كافيا لدعوة كلّ أحد إلى الفعل إلاّ للأفذاذ (٣) من الناس ، فلا يستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى ، المترتّب على موافقته الثواب وعلى مخالفته العقاب في مقام الدعوة إلى الفعل وانقياده ؛ فإذا ورد أمر من المولى في مورد حكم العقل المستقلّ فلا مانع من حمله على

__________________

(١) النساء (٤) الآية : ٥٩ ؛ المائدة (٥) الآية : ٩٢ ؛ النور (٢٤) الآية : ٥٤ ؛ محمّد (٤٧) الآية : ٣٣ ؛ التغابن (٦٤) الآية : ١٢.

(٢) الحقّ ـ كما صرّح بذلك كثير من العلماء المحقّقين ـ أنّ معنى استحقاق المدح ليس إلاّ استحقاق الثواب ، ومعنى استحقاق الذمّ ليس إلاّ استحقاق العقاب ، بمعنى أنّ المراد من المدح ما يعمّ الثواب ، لأنّ المراد بالمدح المجازاة بالخير ، والمراد من الذمّ ما يعمّ العقاب ؛ لأنّ المراد به المكافأة بالشرّ. ولذا قالوا : «إنّ مدح الشارع ثوابه ، وذمّه عقابه» ، وأرادوا به هذا المعنى. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٣) وفي «س» : للأوحدي.

الأمر المولويّ ، إلاّ إذا لزم منه محال التسلسل ، كالأمر بالطاعة والأمر بالمعرفة ؛ بل مثل هذه الموارد لا معنى لأن يكون الأمر فيها مولويّا ؛ لأنّه لا يترتّب على موافقته غير ما يترتّب على متعلّق المأمور به ، نظير الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ.

توضيح وتعقيب

والحقّ أنّ الالتزام بالتحسين والتقبيح العقليّين هو نفس الالتزام بتحسين الشارع وتقبيحه ، وفقا لحكم العقلاء ؛ لأنّه من جملتهم ، لا أنّهما شيئان أحدهما يلزم الآخر ، وإن توهّم ذلك بعضهم. (١)

ولذا ترى أكثر الأصوليّين والكلاميّين لم يجعلوهما مسألتين بعنوانين ، بل لم يعنونوا إلاّ مسألة واحدة هي مسألة «التحسين والتقبيح العقليّين».

وعليه ، فلا وجه للبحث عن ثبوت الملازمة بعد فرض القول بالتحسين والتقبيح وأمّا نحن فإنّما جعلنا الملازمة مسألة مستقلّة فللخلاف الذي وقع فيها بتوهّم التفكيك.

ومن العجيب ما عن صاحب الفصول رحمه‌الله من إنكاره للملازمة ، مع قوله بالتحسين والتقبيح العقليّين (٢) ، وكأنّه ظنّ أنّ كلّ ما أدركه العقل من المصالح والمفاسد ـ ولو بطريق نظريّ أو من غير سبب عامّ من الأسباب المتقدّمة ذكرها ـ يدخل في مسألة التحسين والتقبيح ، وأنّ القائل بالملازمة يقول بالملازمة أيضا في مثل ذلك.

ولكن نحن قلنا : إنّ قضايا التحسين والتقبيح هي القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء كافّة بما هم عقلاء ، وهي بادئ رأي الجميع ، وفي مثلها نقول بالملازمة لا مطلقا. فليس كلّ ما أدركه العقل من أيّ سبب كان ـ ولو لم تتطابق عليه الآراء ، أو تطابقت ولكن لا بما هم عقلاء ـ يدخل في هذه المسألة.

وقد ذكرنا نحن سابقا (٣) : أنّ ما يدركه العقل من الحسن والقبح بسبب العادة أو الانفعال و

__________________

(١) كصاحب الفصول والشيخ الأنصاريّ. فراجع الفصول الغرويّة : ٣٣٧ ، ومطارح الأنظار : ٢٣١ ـ ٢٣٢.

(٢) الفصول الغرويّة : ٣٣٧.

(٣) تقدّم في الصفحة : ٢٣٥ ـ ٢٣٦.