درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۷: اجزاء ۴

 

بإطلاق ونحوه ، فإنّ هذا شكّ في أصل التكليف. وفي مثله ، تجري أصالة البراءة القاضية بعدم وجوبهما.

فهذه الوجوه الأربعة كلّها أو بعضها أو نحوها هي سرّ حكم الفقهاء بالإجزاء قضاء أو أداء. والقول بالإجزاء ـ على هذا ـ أمر لا مفرّ منه. ويتأكّد ذلك في الصّلاة التي هي العمدة في الباب.

المقام الثاني : الأمر الظاهريّ

تمهيد

للحكم الظاهريّ اصطلاحان : أحدهما : ما تقدّم في أوائل الجزء الأوّل. (١) وهو المقابل للحكم الواقعيّ ، وإن كان الواقعيّ مستفادا من الأدلّة الاجتهاديّة الظنيّة ، فيختصّ الظاهريّ بما ثبت بالأصول العمليّة. وثانيهما : كلّ حكم ثبت ظاهرا عند الجهل بالحكم الواقعيّ الثابت في علم الله (تعالى) ، فيشمل الحكم الثابت بالأمارات والأصول معا ، فيكون الحكم الظاهريّ بالمعنى الثاني أعمّ من الأوّل.

وهذا المعنى الثاني العامّ هو المقصود هنا بالبحث ، فالأمر الظاهريّ : ما تضمّنه الأصل أو الأمارة.

ثمّ إنّه لا شكّ في أنّ الأمر الواقعيّ في موردي الأصل والأمارة غير منجّز على المكلّف ـ بمعنى أنّه لا عقاب على مخالفته بسبب العمل بالأمارة والأصل لو اتّفق مخالفتهما له (٢) ـ ؛ لأنّه من الواضح أنّ كلّ تكليف غير واصل إلى المكلّف بعد الفحص واليأس غير منجّز عليه ؛ ضرورة أنّ التكليف إنّما يتنجّز بوصوله بأيّ نحو من أنحاء الوصول ، ولو بالعلم الإجماليّ.

هذا كلّه لا كلام فيه ، وسيأتي في مباحث الحجّة تفصيل الحديث عنه (٣). وإنّما الذي

__________________

(١) تقدّم في مدخل الكتاب ، الصفحة : ٢٠.

(٢) أي للواقع.

(٣) يأتي في مقدّمة المقصد الثالث ، المبحث ٨ «موطن حجيّة الأمارات».

يحسن أن نبحث عنه هنا في هذا الباب هو أنّ الأمر الواقعيّ المجهول لو انكشف فيه بعد ذلك خطأ الأمارة أو الأصل ، وقد عمل المكلّف ـ حسب الفرض ـ على خلافه اتّباعا للأمارة الخاطئة أو الأصل المخالف للواقع ، فهل يجب على المكلّف امتثال الأمر الواقعيّ في الوقت أداء وفي خارج الوقت قضاء ، أو أنّه لا يجب شيء عليه بل يجزئ ما أتى به على طبق الأمارة أو الأصل ويكتفي به؟

ثمّ إنّ العمل على خلاف الواقع ـ كما سبق ـ تارة يكون بالأمارة وأخرى بالأصل. ثمّ الانكشاف على نحوين : انكشاف على نحو اليقين. وانكشاف بمقتضى حجّة معتبرة. فهذه أربع صور.

ولاختلاف البحث في هذه الصور مع اتّفاق صورتين منها في الحكم ـ وهما صورتا الانكشاف بحجّة معتبرة مع العمل على طبق الأمارة ومع العمل بمقتضى الأصل ـ نعقد البحث في ثلاث مسائل :

١. الإجزاء في الأمارة مع انكشاف الخطأ يقينا

إنّ قيام الأمارة تارة يكون في الأحكام ، كقيام الأمارة على وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة حال الغيبة بدلا عن صلاة الجمعة ، وأخرى في الموضوعات ، كقيام البيّنة على طهارة ثوب صلّى به ، أو ماء توضّأ منه ، ثمّ بانت نجاسته.

والمعروف عند الإماميّة عدم الإجزاء مطلقا ، في الأحكام والموضوعات (١).

أمّا في «الأحكام» : فلأجل اتّفاقهم على مذهب التخطئة (٢) ، أي إنّ المجتهد يخطئ ويصيب ؛ لأنّ لله (تعالى) أحكاما ثابتة في الواقع يشترك فيها العالم والجاهل ، أي إنّ

__________________

(١) اعلم أنّ المنسوب إلى الفقهاء الإماميّة إلى عصر الشيخ الأنصاريّ هو الإجزاء في الأمارات ، كما في نهاية الأصول : ١٢٩. والمعروف بين المتأخّرين هو عدم الإجزاء في الأمارات ، راجع مطارح الأنظار : ٢٣ ، وكفاية الأصول : ١١١ ، وفوائد الأصول ١ : ٢٤٦ ـ ٢٥٥ ، ونهاية الأفكار ١ : ٢٤٣ ، ومناهج الوصول ١ : ٣١٥ ، والمحاضرات ٢ : ٢٥٨ و ٢٩٠. وخالفهم السيّد البروجرديّ وقال بالإجزاء ، راجع نهاية الأصول : ١٢٩.

(٢) نقل الاتّفاق المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٥٥٣.