درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۳: اجزاء ۱۰

 

يخالف الأوّل في الرأي بما يوجب فساد الأعمال السابقة.

فنقول في هذه الأحوال :

إنّه بعد قيام الحجّة المعتبرة اللاحقة بالنسبة إلى المجتهد أو المقلّد لا إشكال في وجوب الأخذ بها في الوقائع اللاحقة غير المرتبطة بالوقائع السابقة.

ولا إشكال ـ أيضا ـ في مضيّ الوقائع السابقة التي لا يترتّب عليها أثر أصلا في الزمن اللاحق.

وإنّما الإشكال في الوقائع اللاحقة المرتبطة بالوقائع السابقة ، مثل ما لو انكشف الخطأ اجتهادا أو تقليدا في وقت العبادة ، وقد عمل بمقتضى الحجّة السابقة ، أو انكشف الخطأ في خارج الوقت ، وكان عمله ممّا يقضى ، كالصلاة ، ومثل ما لو تزوّج زوجة بعقد غير عربيّ اجتهادا أو تقليدا ، ثمّ قامت الحجّة عنده على اعتبار اللفظ العربيّ ، والزوجة لا تزال موجودة.

فإنّ المعروف في الموضوعات الخارجيّة عدم الإجزاء (١).

أمّا في الأحكام : فقد قيل بقيام الإجماع على الإجزاء ، لا سيّما في الأمور العباديّة ، كالمثال الأوّل المتقدّم. (٢) ولكنّ العمدة في الباب أن نبحث عن القاعدة ما ذا تقتضي هنا؟

هل تقتضي الإجزاء أو لا تقتضيه؟ والظاهر أنّها لا تقتضي الإجزاء.

وخلاصة ما ينبغي أن يقال : إنّ من يدّعي الإجزاء لا بدّ أن يدّعي أنّ المكلّف لا يلزمه في الزمان اللاحق إلاّ العمل على طبق الحجّة الأخيرة التي قامت عنده. وأمّا : عمله السابق فقد كان على طبق حجّة ماضية عليه في حينها.

ولكن يقال له : إنّ التبدّل الذي حصل له ، إمّا أن يدّعى أنّه تبدّل في الحكم الواقعيّ أو

__________________

(١) ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ ونقله عن محكيّ النهاية ، والتهذيب ، والمختصر وشروحه ، وشرح المنهاج.

مطارح الأنظار : ٢٨.

(٢) والقائل هو المحقّق محمد تقي الأصفهانيّ صاحب هداية المسترشدين ، فإنّه قال : «وإن بلغ اجتهاده الثاني إلى حدّ الظنّ ... فظاهر المذهب عدم وجوب الإعادة والقضاء للعبادات الواقعة منه ومن مقلّديه». هداية المسترشدين : ٤٩٠.

تبدّل في الحجّة عليه. ولا ثالث لهما.

أمّا : دعوى التبدّل في الحكم الواقعيّ فلا إشكال في بطلانها ؛ لأنّها تستلزم القول بالتصويب ، وهو ظاهر.

وأمّا : دعوى التبدّل في الحجّة ، فإن أراد أنّ الحجّة الأولى هي حجّة بالنسبة إلى الأعمال السابقة ، وبالنظر إلى وقتها فقط فهذا لا ينفع في الإجزاء بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة وآثار الأعمال السابقة ، وإن أراد أنّ الحجّة الأولى هي حجّة مطلقا حتّى بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة وآثار الأعمال السابقة فالدعوى باطلة قطعا ؛ لأنّه في تبدّل الاجتهاد ينكشف بحجّة معتبرة أنّ المدرك السابق لم يكن حجّة مطلقا حتّى بالنسبة إلى أعماله اللاحقة ، أو أنّه تخيّله حجّة وهو ليس بحجّة ، لا أنّ المدرك الأوّل حجّة مطلقا ، وهذا الثاني حجّة أخرى.

وكذلك الكلام في تبدّل التقليد ، فإنّ مقتضى التقليد الثاني هو انكشاف بطلان الأعمال الواقعة على طبق التقليد الأوّل ، فلا بدّ من ترتيب الأثر على طبق الحجّة الفعليّة ، فإنّ الحجّة السابقة ـ أي التقليد الأوّل ـ كلا حجّة بالنسبة إلى الآثار اللاحقة ، وإن كانت حجّة عليه في وقته ، والمفروض عدم التبدّل في الحكم الواقعيّ ، فهو باق على حاله ؛ فيجب العمل على طبق الحجّة الفعليّة وما تقتضيه. فلا إجزاء إلاّ إذا ثبت الإجماع عليه.

وتفصيل الكلام في هذا الموضوع يحتاج إلى سعة من القول فوق مستوى هذا المختصر.

تنبيه في تبدّل القطع

لو قطع المكلّف بأمر خطأ فعمل على طبق قطعه ، ثمّ بان له يقينا خطؤه ، فإنّه لا ينبغي الشكّ في عدم الإجزاء ، والسرّ واضح ؛ لأنّه عند القطع الأوّل لم يفعل ما استوفى مصلحة الواقع بأيّ وجه من وجوه الاستيفاء ، فكيف يسقط التكليف الواقعيّ؟! لأنّه في الحقيقة لا أمر موجّه إليه ، وإنّما كان يتخيّل الأمر. وعليه ، فيجب امتثال الواقع في الوقت أداء وفي خارجه قضاء.