درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۸: مقدمه واجب ۱۴

 

بل يثبت ذلك من طريق الشرع ، كتوقّف الصلاة على الطهارة ، واستقبال القبلة ، ونحوهما. ويسمّى هذا الأمر أيضا «الشرط الشرعيّ» باعتبار أخذه شرطا وقيدا في المأمور به عند الشارع ، مثل قوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلاّ بطهور» (١) المستفادة منه شرطيّة الطهارة للصلاة.

والغرض من ذكر هذا التقسيم بيان أنّ النزاع في مقدّمة الواجب هل يشمل الشرط الشرعيّ؟

ولقد ذهب بعض أعاظم مشايخنا ـ على ما يظهر من بعض تقريرات درسه (٢) ـ إلى أنّ الشرط الشرعيّ كالجزء لا يكون واجبا بالوجوب الغيريّ ، وسمّاه : «مقدّمة داخليّة بالمعنى الأعم» ، باعتبار أنّ التقيّد لمّا كان داخلا في المأمور به وجزءا له (٣) فهو واجب بالوجوب النفسيّ. ولمّا كان انتزاع التقيّد إنّما يكون من القيد ـ أي منشأ انتزاعه هو القيد ـ والأمر بالعنوان المنتزع أمر بمنشإ انتزاعه ؛ إذ لا وجود للعنوان المنتزع إلاّ بوجود منشأ انتزاعه ، فيكون الأمر النفسيّ المتعلّق بالتقيّد متعلّقا بالقيد ؛ وإذا كان القيد واجبا نفسيّا فكيف يكون مرّة أخرى واجبا بالوجوب الغيريّ؟!

ولكن هذا كلام لا يستقيم عند شيخنا المحقّق الأصفهانيّ رحمه‌الله ، وقد ناقشه في مجلس بحثه بمناقشات مفيدة. وهو على حقّ في مناقشاته :

أمّا أوّلا : فلأنّ هذا التقيّد المفروض دخوله في المأمور به لا يخلو : إمّا أن يكون دخيلا في أصل الغرض من المأمور به ، وإمّا أن يكون دخيلا في فعليّة الغرض منه ، ولا ثالث لهما.

فإن كان من قبيل الأوّل فيجب أن يكون مأمورا به بالأمر النفسيّ ، ولكن بمعنى أنّ متعلّق الأمر لا بدّ أن يكون الخاصّ بما هو خاصّ ، وهو المركّب من المقيّد والقيد ، فيكون

__________________

(١) وسائل الشيعة ١ : ٢٦١ : الباب ٤ من أبواب الوضوء ، الحديث ١.

(٢) وهو المحقّق النائيني في فوائد الأصول ١ : ٢٦٣ و ٢٦٧ وأجود التقريرات ١ : ٣١٣.

(٣) إنّ الفرق بين الجزء والشرط هو أنّه في الجزء يكون التقيّد والقيد معا داخلين في المأمور به ، وأمّا في الشرط فالتقيّد فقط يكون داخلا والقيد يكون خارجا ، يعني أنّ التقيّد يكون جزءا تحليليّا للمأمور به ، إذ يكون المأمور به ـ في المثال ـ هو الصلاة بما هي مقيّدة بالطهارة ، أي إنّ المأمور به هو المركّب من ذات الصلاة والتقيّد بوصف الطهارة. فذات الصلاة جزء (غير) تحليليّ والتقيّد جزء آخر تحليليّ. ـ منه رحمه‌الله ـ.

القيد والتقيّد معا داخلين. والسرّ في ذلك واضح ؛ لأنّ الغرض يدعو بالأصالة إلى إرادة ما هو واف بالغرض ، وما يفي بالغرض ـ حسب الفرض ـ هو الخاصّ بما هو خاصّ ـ أي المركّب من المقيّد والقيد ـ ، لا أنّ الخصوصيّة تكون خصوصيّة في المأمور به المفروغ عن كونه مأمورا به ؛ لأنّ المفروض أنّ ذات المأمور به ذي الخصوصيّة ليس وحده دخيلا في الغرض. وعلى هذا فيكون هذا القيد جزءا من المأمور به كسائر أجزائه الأخرى ، ولا فرق بين جزء وجزء في كونه من جملة المقدّمات الداخليّة ؛ فتسمية مثل هذا الجزء بالمقدّمة الداخليّة بالمعنى الأعمّ ، بلا وجه ، بل هو مقدّمة داخليّة بقول مطلق ، كما لا وجه لتسميته بالشرط.

وإن كان من قبيل الثاني فهذا هو شأن الشرط ، سواء كان شرطا شرعيّا أو عقليّا ، ومثل هذا لا يعقل أن يدخل في حيّز الأمر النفسيّ ، لأنّ الغرض ـ كما قلنا ـ لا يدعو بالأصالة إلاّ إلى إرادة ذات ما يفي بالغرض ويقوم به في الخارج ، وأمّا ما له دخل في تأثير السبب ـ أي في فعليّة الغرض ـ فلا يدعو إليه الغرض في عرض ذات السبب ، بل الذي يدعو إلى إيجاد شرط التأثير لا بدّ أن يكون غرضا تبعيّا يتبع الغرض الأصليّ وينتهي إليه.

ولا فرق بين الشرط الشرعيّ وغيره في ذلك ، وإنّما الفرق أنّ الشرط الشرعيّ لمّا كان لا يعلم دخله في فعليّة الغرض إلاّ من قبل المولى ، كالطهارة والاستقبال ونحوهما بالنسبة إلى الصلاة ، فلا بدّ أن ينبّه المولى على اعتباره ولو بأن يأمر به ، إمّا بالأمر المتعلّق بالمأمور به ، أي يأخذه قيدا فيه ، كأن يقول مثلا : «صلّ عن طهارة» ، أو بأمر مستقلّ كأن يقول مثلا : «تطهّر للصلاة» ، وعلى جميع الأحوال لا تكون الإرادة المتعلّقة به في عرض إرادة ذات السبب حتّى يكون مأمورا به بالأمر النفسيّ ، بل الإرادة فيه تبعيّة وكذا الأمر به.

فإن قلتم : على هذا يلزم سقوط الأمر المتعلّق بذات السبب الواجب إذا جاء به المكلّف من دون الشرط.

قلت : من لوازم الاشتراط عدم سقوط الأمر بالسبب بفعله من دون شرطه ، وإلاّ كان الاشتراط لغوا وعبثا.

وأمّا ثانيا : فلو سلّمنا دخول التقيّد في الواجب على وجه يكون جزءا منه ؛ فإنّ هذا