درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۱۳: مقدمه واجب ۲۹

 

الغيريّ نفسه أمرا عباديّا ، غاية الأمر أنّ عباديّته لم تجئ من أجل نفس كونه أمرا غيريّا ، بل من أجل كونه امتدادا لتلك المطلوبيّة النفسيّة وذلك الرجحان الذاتيّ الذي حصل من ناحية الأمر الاستحبابيّ النفسيّ السابق (١).

وعليه ، فينقلب الأمر الغيريّ عباديّا ، ولكنّه عباديّ بالعرض لا بالذات حتّى يقال : «إنّ الأمر الغيريّ توصّليّ لا يصلح للعباديّة».

من هنا لا يصحّ الإتيان بالطهارة بقصد الاستحباب بعد دخول الوقت للواجب المشروط بها ؛ لأنّ الاستحباب بحدّه قد اندكّ في الأمر الغيريّ ، فلم يعد موجودا حتّى يصحّ قصده.

نعم ، يبقى أن يقال : إنّ الأمر الغيريّ إنّما يدعو إلى الطهارة الواقعة على وجه العبادة ؛ لأنّه حسب الفرض متعلّقه هو الطهارة بصفة العبادة ، لا ذات الطهارة ، والأمر لا يدعو إلاّ إلى ما تعلّق به ، فكيف صحّ أن يؤتى بذات العبادة بداعي امتثال أمرها الغيريّ ، ولا أمر غيريّ بذات العبادة؟!

ولكن ندفع هذا الإشكال بأن نقول : إذا كان الوضوء ـ مثلا ـ مستحبّا نفسيّا فهو قابل لأن يتقرّب به من المولى ، وفعليّة التقرّب تتحقّق بقصد الأمر الغيريّ المندكّ فيه الأمر الاستحبابيّ.

وبعبارة أخرى : قد فرضنا الطهارات عبادات نفسيّة في مرتبة سابقة على الأمر الغيريّ المتعلّق بها ، والأمر الغيريّ إنّما يدعو إلى ذلك ، فإذا جاء المكلّف بها بداعي الأمر الغيريّ المندكّ فيه الاستحباب ـ والمفروض [أنّه] ليس هناك أمر موجود غيره ـ صحّ التقرّب به ، ووقعت عبادة لا محالة ، فيتحقّق ما هو شرط الواجب ومقدّمته.

هذا كلّه بناء على ثبوت الأمر الغيريّ بالمقدّمة ، وبناء على أنّ مناط عباديّة العبادة هو قصد الأمر المتعلّق بها.

وكلا المبنيين نحن لا نقول به.

أمّا الأوّل : فسيأتي في البحث الآتي الدليل على عدم وجوب مقدّمة الواجب ، فلا أمر

__________________

(١) هذا التوجيه يناسب ما ذكره أستاذه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٣٨٠ ـ ٣٨١ و ٣٨٣.

غيريّ أصلا.

وأمّا الثاني : فلأنّ الحقّ أنّه يكفي في عباديّة الفعل ارتباطه بالمولى ، والإتيان به متقرّبا إليه (تعالى). غاية الأمر أنّ العبادات قد ثبت أنّها توقيفيّة ، فما لم يثبت رضا المولى بالفعل ، وحسن الانقياد ، وقصد وجه الله بالفعل لا يصحّ الإتيان بالفعل عبادة ، بل يكون تشريعا محرّما. ولا يتوقّف ذلك على تعلّق أمر المولى بنفس الفعل على أن يكون أمرا فعليّا من المولى ، ولذا قيل : «يكفي في عباديّة العبادة حسنها الذاتيّ ومحبوبيّتها الذّاتيّة للمولى حتّى لو كان هناك مانع من توجّه الأمر الفعليّ بها (١)».

وإذا ثبت ذلك ، فنقول في تصحيح عباديّة الطهارات : إنّ فعل المقدّمة بنفسه يعدّ شروعا في امتثال ذي المقدّمة ـ الذي هو حسب الفرض في المقام عبادة في نفسه مأمور بها ـ فيكون الإتيان بالمقدّمة بنفسه يعدّ امتثالا للأمر النفسيّ بذي المقدّمة العباديّ. ويكفي في عباديّة الفعل ـ كما قلنا ـ ارتباطه بالمولى والإتيان به متقرّبا إليه (تعالى) مع عدم ما يمنع من التعبّد به. ولا شكّ في أنّ قصد الشروع بامتثال الأمر النفسيّ بفعل مقدّماته قاصدا بها التوصّل إلى الواجب النفسيّ العباديّ يعدّ طاعة وانقيادا للمولى (٢).

وبهذا تصحّح عباديّة المقدّمة ، وإن لم نقل بوجوبها الغيريّ ، ولا حاجة إلى فرض طاعة الأمر الغيريّ.

ومن هنا يصحّ أن تقع كلّ مقدّمة عبادة ، ويستحقّ عليها الثواب بهذا الاعتبار ، وإن لم تكن في نفسها معتبرا فيها أن تقع على وجه العبادة ، كتطهير الثوب ـ مثلا ـ مقدّمة للصلاة ، أو كالمشي حافيا مقدّمة للحجّ أو الزيارة ، غاية الأمر أنّ الفرق بين المقدّمات العباديّة وغيرها أنّ غير العباديّة لا يلزم فيها أن تقع على وجه قربيّ ، بخلاف المقدّمات المشروط فيها أن تقع عبادة ، كالطهارات الثلاث.

ويؤيّد ذلك ما ورد من الثواب على بعض المقدّمات ، ولا حاجة إلى التأويل الذي ذكرناه سابقا في الأمر الثالث ـ من أنّ الثواب على ذي المقدّمة يوزّع على المقدّمات

__________________

(١) هكذا قال المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٣٨٣ و ٣٨٥.

(٢) كما في نهاية الدراية ١ : ٣٨٣.