درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۳: استصحاب ۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثالث

هل الاستصحاب مسألة اصوليّة أو فقهيّة؟

أنّ مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقليّة مسألة اصوليّة يبحث فيها عن كون الشيء دليلا على الحكم الشرعيّ ، نظير حجّية القياس والاستقراء.

بناء على كونه حكما عقليا فهو مسألة اصوليّة

نعم ، يشكل ذلك بما ذكره المحقّق القمّي قدس‌سره في القوانين وحاشيته : من أنّ مسائل الاصول ما يبحث فيها عن حال الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا ، لا عن دليليّة الدليل (١).

وعلى ما ذكره قدس‌سره ، فيكون مسألة الاستصحاب ـ كمسائل حجّية الأدلّة الظنّية ، كظاهر الكتاب وخبر الواحد ونحوهما ـ من المبادئ التصديقيّة للمسائل الاصوليّة ، وحيث لم تتبيّن في علم آخر احتيج إلى بيانها في نفس العلم ، كأكثر المبادئ التصوّريّة.

نعم ذكر بعضهم (٢) : أنّ موضوع الاصول (٣) ذوات الأدلّة من حيث

__________________

(١) لم نقف عليه في القوانين ، نعم ذكر ذلك في حاشيته ، انظر القوانين (طبعة ١٢٩١) ١ : ٦ ، الحاشية المبدوّة بقوله : «موضوع العلم هو ما يبحث فيه ... الخ».

(٢) هو صاحب الفصول في الفصول : ١٢.

(٣) في (ت) و (ه) زيادة : «هي».

يبحث عن دليليّتها أو عمّا يعرض لها بعد الدليليّة.

ولعلّه موافق لتعريف الاصول بأنّه : «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة من أدلّتها» (١).

بناء على كونه من الاصول العمليّة ففي كونه من المسائل الاصوليّة غموض

و (٢) أمّا على القول بكونه من الاصول العمليّة ، ففي كونه من المسائل الاصوليّة غموض ؛ من حيث إنّ (٣) الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنّة ، وليس التكلّم فيه تكلّما في أحوال السنّة ، بل هو نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب والسنّة ، والمسألة الاصوليّة هي التي بمعونتها يستنبط هذه القاعدة من قولهم : : «لا تنقض اليقين بالشكّ» ، وهي المسائل الباحثة عن أحوال طريق الخبر وعن أحوال الألفاظ الواقعة فيه ، فهذه القاعدة ـ كقاعدة «البراءة» و «الاشتغال» ـ نظير قاعدة «نفي الضرر والحرج» ، من القواعد الفرعيّة المتعلّقة بعمل المكلّف. نعم ، تندرج تحت هذه القاعدة مسألة اصوليّة يجري فيها الاستصحاب ، كما تندرج المسألة الاصوليّة أحيانا تحت أدلّة نفي الحرج (٤) ، كما ينفى وجوب الفحص عن المعارض حتّى يقطع بعدمه بنفي الحرج.

الإشكال في كون الاستصحاب من المسائل الفرعية

نعم ، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعيّة : بأنّ إجراءها في موردها (٥) ـ أعني : صورة الشكّ في بقاء الحكم الشرعي السابق ، كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره ـ مختصّ بالمجتهد وليس وظيفة

__________________

(١) كما في الفصول : ٩ ، ومناهج الأحكام : ١.

(٢) «الواو» من (ت).

(٣) في (ر) و (ص) بدل «من حيث إنّ» : «لأنّ».

(٤) في (ظ): «نفي الضرر والحرج».

(٥) كذا في النسخ ، والمناسب : «بأنّ إجراءه في مورده» ، كما لا يخفى.

للمقلّد (١) ، فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط ولا ينفع للمقلّد ، وهذا من خواصّ المسألة الاصوليّة ؛ فإنّ المسائل الاصوليّة لمّا مهّدت للاجتهاد واستنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمستنبط ، ولا حظّ لغيره فيها.

فإن قلت : إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد ؛ لأجل أنّ موضوعها ـ وهو الشكّ في الحكم الشرعيّ وعدم قيام الدليل الاجتهادي عليه ـ لا يتشخّص إلاّ للمجتهد ، وإلاّ فمضمونه وهو : العمل على طبق الحالة السابقة وترتيب آثارها ، مشترك بين المجتهد والمقلّد.

قلت : جميع المسائل الاصوليّة كذلك ؛ لأنّ وجوب العمل بخبر الواحد وترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصّا بالمجتهد. نعم ، تشخيص مجرى خبر الواحد وتعيين مدلوله وتحصيل شروط العمل به مختصّ بالمجتهد ؛ لتمكّنه من ذلك وعجز المقلّد عنه ، فكأنّ المجتهد نائب عن المقلّد (٢) في تحصيل مقدّمات العمل بالأدلّة الاجتهاديّة وتشخيص مجاري الاصول العمليّة ، وإلاّ فحكم الله الشرعيّ في الاصول والفروع مشترك بين المجتهد والمقلّد.

كلام السيد بحر العلوم فيما يرتبط بالمقام

هذا ، وقد جعل بعض السادة الفحول (٣) الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده ، وجعل قولهم : : «لا تنقض اليقين بالشكّ» دليلا على الدليل ـ نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحد ـ حيث قال :

__________________

(١) في (ظ): «المقلّد».

(٢) في (ت) ، (ظ) و (ه) بدل «عن المقلّد» : «عنه».

(٣) هو السيّد بحر العلوم في فوائده.