درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۱: استصحاب ۱۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[تقسيم الاستصحاب باعتبار دليل المستصحب](١)

وأمّا بالاعتبار الثاني ، فمن وجوه أيضا :

أحدها :

دليل المستصحب إمّا الإجماع وإمّا غيره

من حيث إنّ الدليل المثبت للمستصحب إمّا أن يكون هو الإجماع ، وإمّا أن يكون غيره. وقد فصّل بين هذين القسمين الغزالي ، فأنكر الاستصحاب في الأوّل (٢). وربما يظهر من صاحب الحدائق ـ فيما حكي عنه في الدرر النجفيّة ـ أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب منحصر في استصحاب حال الإجماع (٣). وسيأتي تفصيل ذلك عند نقل أدلّة الأقوال إن شاء الله.

الثاني :

المستصحب إمّا يثبت بالدليل العقلي وإمّا بالدليل الشرعي

من حيث إنّه قد يثبت بالدليل الشرعيّ ، وقد يثبت بالدليل العقليّ. ولم أجد من فصّل بينهما ، إلاّ أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقليّ ـ وهو الحكم العقليّ المتوصّل به إلى حكم شرعي ـ تأمّلا ؛ نظرا إلى أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم (٤) ، والشكّ في بقاء المستصحب وعدمه لا بدّ وأن

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) المستصفى ١ : ١٢٨.

(٣) الدرر النجفيّة : ٣٤.

(٤) في (ر) و (ص) زيادة : «الشرعي».

الإشكال في الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي

يرجع إلى الشكّ في موضوع الحكم ؛ لأنّ الجهات المقتضية للحكم العقليّ بالحسن والقبح كلّها راجعة إلى قيود فعل المكلّف ، الذي هو الموضوع. فالشكّ في حكم العقل حتّى لأجل وجود الرافع لا يكون إلاّ للشكّ في موضوعه ، والموضوع لا بدّ أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب ، كما سيجيء (١).

ولا فرق فيما ذكرنا ، بين أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في وجود الرافع ، وبين أن يكون لأجل الشكّ في استعداد الحكم ؛ لأنّ ارتفاع الحكم العقليّ لا يكون إلاّ بارتفاع موضوعه ، فيرجع الأمر بالأخرة إلى تبدّل العنوان ؛ ألا ترى أنّ العقل إذا حكم بقبح الصدق الضارّ ، فحكمه يرجع إلى أنّ الضارّ من حيث إنّه ضارّ حرام ، ومعلوم أنّ هذه القضيّة غير قابلة للاستصحاب عند الشكّ في الضرر مع العلم بتحقّقه سابقا ؛ لأنّ قولنا : «المضرّ قبيح» حكم دائميّ لا يحتمل ارتفاعه أبدا ، ولا ينفع في إثبات القبح عند الشكّ في بقاء الضرر.

ولا يجوز أن يقال : إنّ هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه ؛ لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق ، بل عنوان المضرّ ، والحكم له مقطوع البقاء ، وهذا بخلاف الأحكام الشرعيّة ؛ فإنّه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراما ، ولا يعلم أنّ المناط الحقيقيّ (٢) فيه باق في زمان الشكّ أو مرتفع ـ إمّا من جهة جهل المناط أو من جهة الجهل ببقائه مع معرفته (٣) ـ فيستصحب الحكم الشرعيّ.

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٩١.

(٢) لم ترد «الحقيقي» في (ظ).

(٣) لم ترد «إمّا من ـ إلى ـ معرفته» في (ت) ، (ر) و (ه).

فإن قلت : على القول بكون الأحكام الشرعيّة تابعة للأحكام العقليّة ، فما هو مناط الحكم وموضوعه في الحكم العقليّ بقبح هذا الصدق فهو المناط والموضوع في حكم الشرع بحرمته ؛ إذ المفروض بقاعدة التطابق ، أنّ موضوع الحرمة ومناطها هو بعينه موضوع القبح ومناطه.

قلت : هذا مسلّم ، لكنّه مانع عن الفرق بين الحكم الشرعيّ والعقليّ من حيث الظنّ بالبقاء في الآن اللاحق ، لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب وعدمه ؛ فإنّه تابع لتحقّق موضوع المستصحب ومعروضه بحكم العرف ، فإذا حكم الشارع بحرمة شيء في زمان ، وشكّ في الزمان الثاني ، ولم يعلم أنّ المناط الحقيقي واقعا ـ الذي هو المناط والموضوع (١) في حكم العقل ـ باق هنا أم لا ، فيصدق هنا أنّ الحكم الشرعيّ الثابت لما هو الموضوع له في الأدلّة الشرعيّة كان موجودا سابقا وشكّ في بقائه ، ويجري فيه أخبار الاستصحاب. نعم ، لو علم مناط هذا الحكم وموضوعه (٢) المعلّق عليه في حكم العقل لم يجر الاستصحاب ؛ لما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع.

عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة ولا في الأحكام الشرعيّة المستندة إليها

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام العقليّة ، ولا في الأحكام الشرعيّة المستندة إليها ، سواء كانت وجوديّة أم عدميّة ، إذا كان العدم مستندا إلى القضيّة العقليّة ، كعدم وجوب الصلاة مع السورة على ناسيها ، فإنّه لا يجوز استصحابه بعد الالتفات ، كما صدر

__________________

(١) في (ه): «وعنوان الموضوع» ، وفي (ر) و (ص): «الذي هو عنوان الموضوع».

(٢) في (ر) و (ص) بدل «موضوعه» : «عنوانه».