درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۳۲: استصحاب ۳۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

حدوث ذلك المشكوك الحدوث ، فإذا حكم بأصالة عدم حدوثه لزمه (١) ارتفاع القدر المشترك ؛ لأنّه من آثاره ؛ فإنّ ارتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث ذلك الأمر المقطوع الارتفاع ، لا من لوازم عدم حدوث الأمر الآخر. نعم ، اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما (٢) في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني ، لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين ، وبينهما فرق واضح ؛ ولذا ذكرنا أنّه تترتّب عليه أحكام عدم وجود الجنابة في المثال المتقدّم.

ظاهر المحقّق القمّي عدم الجريان

ويظهر من المحقّق القمّي ; في القوانين ـ مع قوله بحجّيّة الاستصحاب على الإطلاق ـ عدم جواز إجراء الاستصحاب في هذا القسم ، ولم أتحقّق وجهه. قال :

إنّ الاستصحاب يتبع الموضوع وحكمه في مقدار قابليّة الامتداد وملاحظة الغلبة فيه ، فلا بدّ من التأمّل في أنّه كلّيّ أو جزئيّ ، فقد يكون الموضوع الثابت حكمه أوّلا مفهوما كلّيّا مردّدا بين امور ، وقد يكون جزئيّا حقيقيّا معيّنا ، وبذلك يتفاوت الحال ؛ إذ قد يختلف أفراد الكلّيّ في قابلية الامتداد ومقداره ، فالاستصحاب حينئذ ينصرف إلى أقلّها استعدادا للامتداد.

ثمّ ذكر حكاية تمسّك بعض أهل الكتاب لإثبات نبوّة نبيّه بالاستصحاب ، وردّ بعض معاصريه (٣) له بما لم يرتضه الكتابيّ ، ثمّ ردّه

__________________

(١) في (ت): «لزم».

(٢) في غير (ظ) زيادة : «هو».

(٣) سيجيء الاختلاف في تحقيق هذا البعض في الصفحة ٢٦٠.

بما ادّعى ابتناءه على ما ذكره من ملاحظة مقدار القابليّة.

ثمّ أوضح ذلك بمثال ، وهو : أنّا إذا علمنا أنّ في الدار حيوانا ، لكن لا نعلم أنّه أيّ نوع هو ، من الطيور أو البهائم أو الحشار أو الديدان؟ ثمّ غبنا عن ذلك مدّة ، فلا يمكن لنا الحكم ببقائه في مدّة يعيش فيها أطول الحيوان عمرا ، فإذا احتمل كون الحيوان الخاصّ في البيت عصفورا أو فأرة أو دود قزّ ، فكيف يحكم ـ بسبب العلم بالقدر المشترك ـ باستصحابها (١) إلى حصول زمان ظنّ بقاء أطول الحيوانات عمرا؟! قال : وبذلك بطل تمسّك الكتابيّ (٢) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده المحقق القمي

أقول : إنّ ملاحظة استعداد المستصحب واعتباره في الاستصحاب ـ مع أنّه مستلزم لاختصاص اعتبار الاستصحاب بالشكّ في الرافع ـ موجب لعدم انضباط الاستصحاب ؛ لعدم استقامة إرادة استعداده من حيث شخصه (٣) ، ولا أبعد الأجناس ، ولا أقرب الأصناف ، ولا ضابط لتعيين المتوسّط ، والإحالة على الظنّ الشخصيّ قد عرفت ما فيه سابقا (٤) ، مع أنّ اعتبار الاستصحاب عند هذا المحقّق لا يختصّ دليله بالظنّ ، كما اعترف به سابقا (٥) ، فلا مانع من استصحاب وجود الحيوان في الدار إذا ترتّب اثر شرعيّ على وجود مطلق الحيوان فيها.

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «باستصحابه» لرجوع الضمير إلى الحيوان.

(٢) القوانين ٢ : ٦٩ ـ ٧٣.

(٣) كذا في (ظ) ، وفي غيره بدل «شخصه» : «تشخّصه».

(٤) راجع الصفحة ٨٧.

(٥) انظر القوانين ٢ : ٦٦.

ثمّ إنّ ما ذكره : من ابتناء جواب الكتابيّ على ما ذكره ، سيجيء ما فيه مفصّلا (١) إن شاء الله تعالى.

القسم الثالث من استصحاب الكلّي وفيه قسمان

وأمّا الثالث ـ وهو ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّيّ مستندا إلى احتمال وجود فرد آخر غير الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ـ فهو على قسمين ؛ لأنّ الفرد الآخر : إمّا أن يحتمل وجوده مع ذلك الفرد المعلوم حاله.

وإمّا أن (٢) يحتمل حدوثه بعده ، إمّا بتبدّله إليه وإمّا بمجرّد حدوثه مقارنا لارتفاع ذلك الفرد.

هل يجرى الاستصحاب في القسمين أو لا يجري في كليهما أو فيه تفصيل؟

وفي جريان استصحاب الكلّيّ في كلا القسمين ؛ نظرا إلى تيقّنه سابقا وعدم العلم بارتفاعه ، وإن علم بارتفاع بعض وجوداته وشكّ في حدوث ما عداه ؛ لأنّ ذلك مانع من إجراء الاستصحاب في الأفراد دون الكلّيّ ، كما تقدّم نظيره في القسم الثاني.

أو عدم جريانه فيهما ؛ لأنّ بقاء الكلّيّ في الخارج عبارة عن استمرار وجوده الخارجيّ (٣) المتيقّن سابقا ، وهو معلوم العدم ، وهذا هو الفارق بين ما نحن فيه والقسم الثاني ؛ حيث إنّ الباقي في الآن اللاحق بالاستصحاب (٤) هو عين الوجود (٥) المتيقّن سابقا.

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٦٣.

(٢) «أن» من (ت).

(٣) في (ص) زيادة : «على نحو».

(٤) كتب في (ص) على «بالاستصحاب» : «زائد».

(٥) في (ت) بدل «الوجود» : «الموجود».