درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۳۵: استصحاب ۳۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

النجاسة إنّما رتّبت في الشرع على مجرّد عدم التذكية ، كما يرشد إليه قوله تعالى : ﴿إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾(١) ، الظاهر في أنّ المحرّم إنّما هو لحم الحيوان الذي لم يقع عليه التذكية واقعا أو بطريق شرعيّ ولو كان أصلا ، وقوله تعالى : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾(٢) ، وقوله تعالى : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾(٣) ، وقوله عليه‌السلام في ذيل موثّقة ابن بكير : «إذا كان ذكيّا ذكّاه الذابح» (٤) ، وبعض الأخبار المعلّلة لحرمة الصيد الذي ارسل إليه كلاب ولم يعلم أنّه مات بأخذ المعلّم (٥) ، بالشكّ في استناد موته إلى المعلّم (٦) ، إلى غير ذلك ممّا اشترط فيه العلم باستناد القتل إلى الرمي ، والنهي عن الأكل مع الشكّ.

ولا ينافي ذلك ما دلّ (٧) على كون حكم النجاسة مرتّبا على موضوع «الميتة» (٨) بمقتضى أدلّة نجاسة الميتة (٩) ؛ لأنّ «الميتة» عبارة عن

__________________

(١) المائدة : ٣.

(٢) الأنعام : ١٢١.

(٣) الأنعام : ١١٨.

(٤) الوسائل ٣ : ٢٥٠ ، الباب ٢ من أبواب لباس المصلّي ، الحديث ١ ، لكن في جميع المصادر الحديثيّة بدل «الذابح» : «الذبح».

(٥) في غير (ر) زيادة : «معلّلا».

(٦) انظر الوسائل ١٦ : ٢١٥ ، الباب ٥ من أبواب الصيد ، الحديث ٢.

(٧) انظر الجواهر ٥ : ٢٩٧ ـ ٢٩٩.

(٨) في (ظ) بدل «موضوع الميتة» : «الموت».

(٩) شطب في (ت) على «بمقتضى أدلّة نجاسة الميتة» ، وكتب في (ه) فوقها : «زائد».

كلّ ما لم يذكّ ؛ لأنّ التذكية أمر شرعيّ توقيفيّ ، فما عدا المذكّى ميتة (١).

والحاصل : أنّ التذكية سبب للحلّ والطهارة ، فكلّما شكّ فيه أو في مدخليّة شيء فيه ، فأصالة عدم تحقّق السبب الشرعيّ حاكمة على أصالة الحلّ والطهارة.

ثمّ إنّ الموضوع للحلّ والطهارة ومقابليهما هو اللحم أو المأكول ، فمجرّد تحقّق عدم التذكية في اللحم يكفي في الحرمة والنجاسة.

لكنّ الإنصاف : أنّه لو علّق حكم النجاسة على ما مات حتف الأنف ـ لكون الميتة عبارة عن هذا المعنى ، كما يراه بعض (٢) ـ أشكل إثبات (٣) الموضوع بمجرّد أصالة عدم التذكية الثابتة (٤) حال الحياة ؛ لأنّ عدم التذكية السابق حال الحياة ، المستصحب إلى (٥) زمان خروج الروح لا يثبت كون الخروج حتف الأنف ، فيبقى أصالة عدم حدوث سبب نجاسة اللحم ـ وهو الموت حتف الأنف ـ سليمة عن المعارض ، وإن لم يثبت به التذكية ، كما زعمه السيّد الشارح للوافية ، فذكر : أنّ أصالة عدم التذكية تثبت الموت حتف الأنف ، وأصالة عدم الموت (٦) حتف الأنف تثبت التذكية (٧).

__________________

(١) في (ت) زيادة : «ولذا حكم بنجاستها» ، وكتب في (ص) فوقها : «نسخة».

(٢) انظر مفاتيح الشرائع ١ : ٧٠ ، المفتاح ٧٨.

(٣) في (ه) زيادة : «هذا».

(٤) لم ترد «الثابتة» في (ت).

(٥) في نسخة بدل (ت) بدل «إلى» : «في».

(٦) «الموت» من (ظ) و (ص).

(٧) شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥.

فيكون وجه الحاجة إلى إحراز التذكية ـ مع أنّ الإباحة والطهارة لا تتوقّفان عليه ، بل يكفي استصحابهما ـ أنّ استصحاب عدم التذكية حاكم على استصحابهما ، فلو لا ثبوت التذكية بأصالة عدم الموت حتف الأنف لم يكن مستند للإباحة والطهارة.

وكأنّ السيّد قدس‌سره ذكر هذا ؛ لزعمه أنّ مبنى تمسّك المشهور على إثبات الموت حتف الأنف بأصالة عدم التذكية ، فيستقيم حينئذ معارضتهم بما ذكره السيّد قدس‌سره ، فيرجع بعد التعارض إلى قاعدتي «الحلّ» و «الطهارة» واستصحابهما.

لكن هذا كلّه مبنيّ على ما فرضناه : من تعلّق الحكم على الميتة ، والقول بأنّها ما زهق روحه بحتف الأنف.

أمّا إذا قلنا بتعلّق الحكم على لحم لم يذكّ حيوانه (١) أو لم يذكر اسم الله عليه ، أو تعلّق الحلّ على ذبيحة المسلم و (٢) ما ذكر اسم الله عليه المستلزم لانتفائه بانتفاء أحد الأمرين ولو بحكم الأصل ـ ولا ينافي ذلك تعلّق الحكم في بعض الأدلّة الأخر بالميتة ، ولا ما علّق فيه الحلّ على ما لم يكن ميتة ، كما في آية : ﴿قُلْ لا أَجِدُ ...﴾ الآية (٣) ـ ، أو قلنا : إنّ الميتة هي ما زهق روحه مطلقا ، خرج منه ما ذكّي ، فإذا شكّ في عنوان المخرج فالأصل عدمه ، فلا محيص عن قول المشهور.

ثمّ إنّ ما ذكره الفاضل التونيّ ـ من عدم جواز إثبات عمرو

__________________

(١) لم ترد «حيوانه» في (ظ).

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيره بدل «و» : «أو».

(٣) الأنعام : ١٤٥.