درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۴۰: استصحاب ۴۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ذلك الفرد الموجود منه في الخارج وكثرتها ، فيستصحب القدر المشترك المردّد بين قليل الأجزاء وكثيرها.

ودعوى : أنّ الشكّ في بقاء القدر المشترك ناش عن حدوث جزء آخر من الكلام ، والأصل عدمه المستلزم لارتفاع القدر المشترك ، فهو من قبيل (١) القسم الثالث من الأقسام المذكورة في الأمر السابق.

مدفوعة : بأنّ الظاهر كونه من قبيل الأوّل من تلك الأقسام الثلاثة ؛ لأنّ المفروض في توجيه الاستصحاب جعل كلّ فرد من التكلّم مجموع ما يقع في الخارج من الأجزاء التي يجمعها رابطة توجب عدّها شيئا واحدا وفردا من الطبيعة ، لا جعل كلّ قطعة من الكلام الواحد فردا واحدا حتّى يكون بقاء الطبيعة بتبادل أفراده ، غاية الأمر كون المراد بالبقاء هنا وجود المجموع في الزمان الأوّل بوجود جزء منه ووجوده في الزمان الثاني بوجود جزء آخر منه. والحاصل : أنّ المفروض كون كلّ قطعة جزء من الكلّ ، لا جزئيّا من الكلّيّ.

هذا ، مع ما عرفت ـ في الأمر السابق (٢) ـ من جريان الاستصحاب فيما كان من القسم الثالث فيما إذا لم يعدّ الفرد اللاحق على تقدير وجوده موجودا آخر مغايرا للموجود الأوّل ، كما في السواد الضعيف الباقي بعد ارتفاع القويّ. وما نحن فيه من هذا القبيل ، فافهم.

ثمّ إنّ الرابطة الموجبة لعدّ المجموع (٣) أمرا واحدا موكولة إلى

__________________

(١) في (ه) ومصححة (ت) زيادة : «القسم الثاني من».

(٢) راجع الصفحة ١٩٦.

(٣) في (ت): «الموجود».

العرف ، فإنّ المشتغل بقراءة القرآن لداع ، يعدّ جميع ما يحصل منه في الخارج بذلك الداعي أمرا واحدا ، فإذا شكّ في بقاء اشتغاله بها في زمان لأجل الشكّ في حدوث الصارف أو لأجل الشكّ في مقدار اقتضاء الداعي ، فالأصل بقاؤه. أمّا لو تكلّم لداع أو لدواع ثمّ شكّ في بقائه على صفة التكلّم لداع آخر ، فالأصل عدم حدوث (١) الزائد على المتيقّن.

وكذا لو شكّ بعد انقطاع دم الحيض في عوده في زمان يحكم عليه بالحيضيّة أم لا ، فيمكن إجراء الاستصحاب ؛ نظرا إلى أنّ الشكّ في اقتضاء طبيعتها (٢) لقذف الرحم (٣) الدم في أيّ مقدار من الزمان ، فالأصل عدم انقطاعه.

وكذا لو شكّ في اليأس ، فرأت الدم ، فإنّه قد يقال باستصحاب الحيض ؛ نظرا إلى كون الشكّ في انقضاء ما اقتضته الطبيعة من قذف الحيض في كلّ شهر.

وحاصل وجه الاستصحاب : ملاحظة كون الشكّ في استمرار الأمر الواحد الذي اقتضاه السبب الواحد ، وإذا لوحظ كلّ واحد من أجزاء هذا الأمر حادثا مستقلا ، فالأصل عدم الزائد على المتيقّن وعدم حدوث سببه.

ومنشأ اختلاف بعض العلماء في إجراء الاستصحاب في هذه

__________________

(١) في (ه) بدل «حدوث» : «حصول».

(٢) في (ت) و (ه) بدل «طبيعتها» : «الطبيعة».

(٣) في (ص) بدل «طبيعتها لقذف الرحم» : «طبيعة الرحم لقذف».

الموارد اختلاف أنظارهم في ملاحظة ذلك المستمرّ حادثا واحدا أو حوادث متعدّدة.

والإنصاف : وضوح الوحدة في بعض الموارد ، وعدمها في بعض ، والتباس الأمر في ثالث. والله الهادي إلى سواء السبيل ، فتدبّر.

٣ ـ استصحاب الامور المقيّدة بالزمان

وأمّا القسم الثالث ـ وهو ما كان مقيّدا بالزمان ـ فينبغي القطع بعدم جريان الاستصحاب فيه. ووجهه : أنّ الشيء المقيّد بزمان خاصّ لا يعقل فيه البقاء ؛ لأنّ البقاء : وجود الموجود الأوّل في الآن الثاني ، وقد تقدّم الاستشكال (١) في جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفيّة ؛ لكون متعلّقاتها هي الأفعال المتشخّصة بالمشخّصات التي لها دخل وجودا وعدما في تعلّق الحكم ، ومن جملتها الزمان.

ما ذكره الفاضل النراقي : من معارضة استصحاب عدم الأمر الوجودي المتيقّن سابقا مع استصحاب وجوده

وممّا ذكرنا يظهر فساد ما وقع لبعض المعاصرين (٢) : من تخيّل جريان استصحاب عدم الأمر الوجوديّ المتيقّن سابقا ، ومعارضته مع استصحاب وجوده ؛ بزعم أنّ المتيقّن وجود ذلك الأمر في القطعة الاولى من الزمان ، والأصل بقاؤه ـ عند الشكّ ـ على العدم الأزليّ الذي لم يعلم انقلابه إلى الوجود إلاّ في القطعة السابقة من الزمان. قال في تقريب ما ذكره من تعارض الاستصحابين :

إنّه إذا علم أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة ، وعلم أنّه واجب إلى الزوال ، ولم يعلم وجوبه فيما بعده ، فنقول : كان عدم التكليف بالجلوس قبل يوم الجمعة وفيه إلى الزوال ، وبعده معلوما قبل

__________________

(١) تقدّم هذا الإشكال وجوابه في ذيل القول السابع في الصفحة ١٤٥ ـ ١٤٨.

(٢) هو الفاضل النراقي في مناهج الأحكام.

ورود أمر الشارع ، وعلم بقاء ذلك العدم قبل يوم الجمعة ، وعلم ارتفاعه والتكليف بالجلوس فيه قبل الزوال ، وصار بعده موضع الشكّ ، فهنا شكّ ويقينان ، وليس إبقاء حكم أحد اليقينين أولى من إبقاء حكم الآخر.

فإن قلت : يحكم ببقاء (١) اليقين المتّصل بالشكّ ، وهو اليقين بالجلوس.

قلنا : إنّ الشكّ في تكليف ما بعد الزوال حاصل قبل مجيء يوم الجمعة وقت ملاحظة أمر الشارع ، فشكّ في يوم الخميس ـ مثلا ، حال ورود الأمر ـ في أنّ الجلوس غدا هل هو المكلّف به بعد الزوال أيضا أم لا؟ واليقين المتّصل به هو عدم التكليف ، فيستصحب ويستمرّ ذلك إلى وقت الزوال (٢) ، انتهى.

ثمّ أجرى ما ذكره ـ من تعارض استصحابي الوجود والعدم ـ في مثل : وجوب الصوم إذا عرض مرض يشكّ في بقاء وجوب الصوم معه ، وفي الطهارة إذا حصل الشكّ فيها لأجل المذي ، وفي طهارة الثوب النجس إذا غسل مرّة.

فحكم في الأوّل بتعارض استصحاب وجوب الصوم قبل عروض الحمّى واستصحاب عدمه الأصلي قبل وجوب الصوم ، وفي الثاني بتعارض استصحاب الطهارة قبل المذي واستصحاب عدم جعل الشارع الوضوء سببا للطهارة بعد المذي ، وفي الثالث بتعارض استصحاب

__________________

(١) في المصدر زيادة : «حكم».

(٢) مناهج الأحكام : ٢٣٧.